الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٤٦.......................................................................................
-----------------
وَالتَّقَابُضُ كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ نَوْعٌ، وَدَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ إلَّا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ، فَدَلَّ أَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، وَاسْتَثْنَى الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَأَجَازَهُمَا بِحَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ وَلَوْ نَسِيئَةً بِأَضْعَافٍ، فَيُبْحَثُ مَعَهُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي زَعْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، فَبِمَ خَصَّصَ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ؟.
وَأَمَّا إجَازَتُهُ التَّمْرَةَ بِالتَّمْرَتَيْنِ وَالْفَلْسَ بِالْفَلْسَيْنِ وَالْحَبَّةَ بِالْحَبَّتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ جِنْسٌ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَدْرًا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ، وَيُقْصَدُ بِلَا نُدْرَةٍ، وَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يُحْتَجُّ عَلَى مَالِكٍ بِاجْتِمَاعِهِ مَعَنَا فِي جَوَازِ الْحَدِيدِ أَوْ الرَّصَاصِ أَوْ الصُّفْرِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالذَّهَبِ مَعَ نَقْصِهِ أَصْلَهُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ؟ قُلْتُ: لَا نَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَرَى الرِّبَا فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ كَمَا تَرَاهُ يَمْنَعُهُ حَيْثُ نَمْنَعُهُ وَيُجِيزُ الْمُبَايَعَةَ حَيْثُ نُجِيزُ، وَإِنَّمَا ضَبَطَ الرِّبَا بِمَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤْكَلَ أَوْ يُشْرَبَ، وَلَمْ يُحْصَرْ الرِّبَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقُولُ أَيْضًا بِالرِّبَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَيُجِيزُ حَيْثُ اخْتَلَفَ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ إجَازَتُهُ الْحَدِيدَ وَنَحْوَهُ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ وَكَذَا لَا يُحْتَجُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُكَالَ أَوْ يُوزَنَ كَفَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ، وَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ نَحْوَ الْحَدِيدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا لَمْ يُعْتَدْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُسَكَّكًا، فَإِنْ اُعْتِيدَ أَوْ بِيعَ بِالْوَزْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَا قَلَّ وَخَرَجَ عَنْ الِاعْتِنَاءِ بِوَزْنِهِ.