الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣الْخَلَفِ وَإِنْ قَصُرَ ذِرَاعُهَا أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ السَّلَفِ وَإِنْ طَالَ بَاعُهَا
------------------------------------
اللَّهِ قَدْ سَمِعْتُ بِأَنَّ ذَلِكَ قِيلَ،.
وَالْعِبَارَةُ مَا يُعَبَّرُ بِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ عَمَّا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْمَعَانِي، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَبَرَ بِالتَّخْفِيفِ، أَوْ اسْمُ مَصْدَرِ عَبَّرَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ مِنْ عَبَرَ النَّهْرَ وَنَحْوَهُ بِمَعْنَى جَازَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُلَاحَظٌ هُنَا لِأَنَّهُ يُنْقِلُ السَّامِعَ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْمَعْنَى، وَإِنْ قُلْتَ هَلْ يَصِحُّ كَوْنُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ لَا مُمِلًّا وَلَا مُخِلًّا مَانِعًا، قُلْتُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِبَارَةُ السَّلَفِ مُمِلَّةً مُخِلَّةً كُلَّهَا، وَأَنَّ عِبَارَةَ الْخَلَفِ مُطْلَقًا لَا تَمَلُّ وَلَا تُخِلُّ فَافْهَمْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ؛ (الْخَلَفِ) أَيْ الْقَرْنِ بَعْدَ الْقَرْنِ، وَالْمُرَادُ الْمُتَأَخِّرُونَ (وَإِنْ قَصُرَ ذِرَاعُهَا) الْوَاوُ حَالِيَّةٌ، أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، أَيْ إنْ لَمْ يَقْصُرْ ذِرَاعُهَا، وَإِنْ قَصُرَ ذِرَاعُهَا وَالْقَصْرُ ضِدُّ الطُّولِ وَالذِّرَاعُ اللَّفْظُ، وَكَذَا الْبَاعُ، شَبَّهَ قِلَّةَ اللَّفْظِ بِقِصَرِ الذِّرَاعِ، وَاشْتَقَّ مِنْ الْقِصَرِ بِمَعْنَى الْقِلَّةِ، قَصُرَ بِمَعْنَى قَلَّ، فَفِي قَصُرَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِوُقُوعِهَا فِي الْفِعْلِ بَعْدَ وُقُوعِهَا اعْتِبَارًا فِي الْمَصْدَرِ
، تَحْقِيقِيَّةٌ لِثُبُوتِ الْمُشَبَّهِ حِسًّا وَعَقْلًا، تَصْرِيحِيَّةٌ لِذِكْرِ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ مِنْ لَفْظِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، مُرَشَّحَةٌ لِذِكْرِ مُنَاسِبِ الْقِصَرِ وَهُوَ الذِّرَاعُ، أَوْ قُلْ شَبَّهَ اللَّفْظَ بِالذِّرَاعِ وَاسْتَعَارَ اسْمَهُ لَهُ اسْتِعَارَةً تَحْقِيقِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً أَصْلِيَّةً مُرَشَّحَةً بِذِكْرِ الطُّولِ، وَالْقَرِينَةُ لَفْظُ الْعِبَارَةِ وَإِنْ أَرَدْتَ الْإِكْثَارَ مِنْ هَذَا وَبَيَانَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ لِكَلِيلِ الذِّهْنِ، فَعَلَيْكَ بِشَرْحِي الْمَذْكُورِ أَوْ بِحَاشِيَتِي عَلَى شَرْحِ الرِّوَايَةِ "، أَوْ حَاشِيَتِي عَلَى شَرْحِ النُّونِيَّةِ " لِلتَّلَاتِيِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِعَارَةُ مَكِنِيَّةً شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ بِالْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ، وَرَمَزَ إلَيْهِ بِذِكْرِ لَازِمِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الذِّرَاعُ وَالْبَاعُ، وَأَصْلُ الذِّرَاعِ مِنْ طَرَفِ الْإِصْبَعِ الْوُسْطَى إلَى الْمِرْفَقِ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَشُهِرَ مِنْ السَّبَّابَةِ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، وَقَدْ يُذَكَّرُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا لِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مُؤَنَّثًا يَجُوزُ أَنْ لَا يُقْرَنَ فِعْلُهُ بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مَجَازِيُّ التَّأْنِيثِ وَلِأَنَّهُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ، (أَوْضَحُ) خَبَرُ إنَّ (مِنْ عِبَارَةِ السَّلَفِ): أَيْ الْمَاضِينَ، وَأَصْلُهُ مِنْ تَقَدَّمَ مِنْ آبَائِكَ أَوْ أَقَارِبِكَ (وَإِنْ طَالَ بَاعُهَا)