شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ١١

وَبَعْدُ، فَيَقُولُ قَدْ طَالَ مَا يَتَرَدَّدُ فِي خَاطِرِي أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ .........................

---------------------------------

(وَبَعْدُ، فَيَقُولُ): أَيْ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا فَإِنِّي أَقُولُ، وَالدُّنْيَا لَا تَخْلُو مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ، فَمَقُولُهُ مُتَحَقِّقٌ قَطْعًا وَهُوَ طُولُ تَرَدُّدِهِ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، فَذَلِكَ مَعْنَى التَّأْكِيدِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ، أَمَّا وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بَسَطْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الشَّرْحِ، (قَدْ طَالَ مَا يَتَرَدَّدُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ فَاعِلُ لِكَافَّةِ لِكَتْبِ الْمُصَنِّفِ لَهَا، مُنْفَصِلَةً (فِي خَاطِرِي) أَرَادَ الْقَلْبَ، وَأَصْلُهُ مَا يَقَعُ فِيهِ فَسُمِّيَ الْمَحَلُّ بِاسْمِ الْحَالِ، وَبَسَطْتُهُ فِي شَرْحِي عَلَى شَرْحِ عِصَامِ الدِّينِ فِي الِاسْتِعَارَاتِ، (أَنْ أَجْمَعَ) فَاعِلُ يَتَرَدَّدُ، وَلَك أَنْ تَجْعَلَ مَا اسْمًا فَاعِلًا لِطَالَ، وَأَنْ أَجْمَعَ بَدَلًا مِنْهَا، أَوْ مِنْ ضَمِيرِهَا فِي يَتَرَدَّدُ، كِتَابًا (مُخْتَصَرًا) أَيْ مُقَلَّلَ اللَّفْظِ مُكْثَرَ الْمَعْنَى، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَيُطْلَقُ الِاخْتِصَارُ أَيْضًا عَلَى تَقْلِيلِ اللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى قَدْرِ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَبِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مُرَادِفًا لِلْإِيجَازِ، بَقِيَ الْبَحْثُ كَيْفَ يَكُونُ يُجْمَعُ مُخْتَصَرًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُخْتَصَرًا بَعْدَ جَمْعِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُخْتَصَرًا بَعْدَ جَمْعِهِ، فَيَكُونُ نَعْتًا مُقَدَّرًا كَالْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، أَيْ أَنْ أَجْمَعَ كَلَامًا مُخْتَصَرًا، أَيْ كَلَامًا أَخْتَصِرُهُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَجْمَعَ مِنْ كَلَامِ الْمُطَوِّلِينَ كَلَامًا قَلِيلًا، وَبِأَنَّ الْمَعْنَى أَحْصُلُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ كِتَابًا مُخْتَصَرًا، (فِي الْفِقْهِ): أَيْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُهَا الِاجْتِهَادُ، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَمِّيَّةِ ذَلِكَ وَمَوَاقِيتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، بَلْ فِيهِ الْأَمْرُ، فَحُمِلَ الْأَمْرُ بِفَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى الْوُجُوبِ، فَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ

وَالسُّنَّةِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا.

وَيُطْلَقُ الْفِقْهُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُهَا الِاجْتِهَادُ أَيْضًا، وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْفِقْهِ عَلَى الْأَحْكَامِ غَيْرِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْضًا، وَعَلَى الْعِلْمِ بِهَا أَيْضًا، وَقَدْ

٥٢٠ / ١١٬٧٠٢