الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ١٩وَاخْتِلَالِ حَالٍ قَدْ تَبَيَّنَ لَدَيَّ بُرْهَانُهُ. وَمِنْ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَدْبَرَتْ أَيَّامُهُ وَانْطَمَسَتْ أَعْلَامُهُ وَسُدَّتْ مَصَادِرُهُ وَمُنِعَتْ مَوَارِدُهُ لَوْلَا أَنَّ لِي خَبِيرًا مَاهِرًا جَابَ الْبِلَادَ .......................
--------------------------------------
وَلَك أَنْ تَجْعَلَ الِاشْتِغَالَ كُلَّهُ سُلْطَانًا، وَعَلَيْهِ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ سُلْطَانٍ هُوَ الِاشْتِغَالُ، (وَاخْتِلَالِ) أَيْ فَسَادِ (حَالٍ قَدْ تَبَيَّنَ لَدَيَّ): أَيْ عِنْدِي (بُرْهَانُهُ) أَيْ دَلِيلُهُ الْقَاطِعُ، وَالْهَاءُ لِلِاخْتِلَالِ.
(و) مَعَ مَا أَنَا فِيهِ (مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ) وَالْعَطْفُ عَلَى مِنْ اشْتِغَالِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ عَطْفًا عَلَى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، هَكَذَا مُنِعْتُ مِنْ الْحَوْزِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ (قَدْ أَدْبَرَتْ) مَضَتْ (أَيَّامُهُ) وَعَقَبَتْهَا أَيَّامُ الْجَهْلِ، أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ كُلَّهَا فِقْهًا وَغَيْرَهُ، وَالْإِدْبَارُ: التَّوَلِّي وَالِانْقِضَاءُ، (وَانْطَمَسَتْ) انْدَرَسَتْ (أَعْلَامُهُ) جَمْعُ عَلَمٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ، أَيْ عَلَامَةٌ، وَالْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّهُمْ عَلَامَاتُ الْعِلْمِ وَأَدِلَّاءٌ عَلَيْهِ، شَبَّهَ فَقْدَهُمْ بِانْطِمَاسِ طُرُقِ الْأَرْضِ فَلَا يَهْتَدِي الْمَاشِي فِيهَا إلَى مَقْصِدِهِ، (وَسُدَّتْ) أَيْ حُبِسَتْ (مَصَادِرُهُ) جَمْعُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْهُ الشَّيْءُ أَيْ يَحْدُثُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ، شَبَّهَ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ وَفَقْدَهَا بِسَدٍّ نَحْوِ الْحَوْضِ وَخَيَّلَ لَهُ الْمَصَادِرَ وَالْمَوَارِدَ، (وَمُنِعَتْ مَوَارِدُهُ) جَمْعُ مَوْرِدٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُورَدُ: أَيْ يَصِلُهُ الشَّيْءُ، أَوْ أَرَادَ الْمَصَادِرَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يُصْدَرُ عَنْهَا بَعْدَ وُرُودِهَا، وَهُوَ أَوْفَقُ، أَوْ الْمَصَادِرَ، وَالْمُرَادُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ شَبَّهَهُمْ بِمَوَاضِعِ الصَّدْرِ وَالْوِرْدِ وَرَشَّحَ بِالسَّدِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا عَالِمَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُورَدَ إلَيْهِ وَيُصْدَرَ مِنْهُ إلَّا مَنْ اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ، (لَوْلَا أَنَّ لِي خَبِيرًا): أَيْ دَلِيلًا، شَبَّهَ الْجَهْلَ بِمَفَازَةٍ انْدَرَسَتْ أَرْجَامُهَا الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِيهَا وَشَيْخَهُ بِالدَّلِيلِ، وَجَوَابُ لَوْلَا دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ مَا قَبْلَهَا كَأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْعِلْمُ لَوْلَا أَنَّ لِي خَبِيرًا (مَاهِرًا) كَامِلُ الدَّلَالَةِ، (جَابَ) قَطَعَ (الْبِلَادَ): أَيْ مَهَامُّهُ الْجَهْلُ، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ أَوْ تَابِعٌ لِلِاسْتِعَارَةِ السَّابِقَةِ عَلَى خِلَافٍ