الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٢١يُهْتَدَى وَسَهْمًا صَائِبًا أُعِدَّ لِدَفْعِ مَكَايِدِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَكَنْزًا مُدَّخَرًا لِنَوَائِبِ الدَّهْرِ وَنَوَازِلِ الزَّمَانِ وَعَيْنًا مِنْ عَذْبِهَا تَنْطَفِئُ عَنْ الْحَقِّ، وَالْإِضَافَةُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ الزَّيْغَ بِمَعْنَى عَدَمِ الْحُصُولِ فِي الْعِلْمِ عَلَى سَبَبٍ لِشُبْهَةٍ يَدَّعِيهَا حُجَّةً، (يُهْتَدَى) يُلْتَجَأُ نَائِبُ يُقْتَدَى بِهِ، وَنَائِبُ يُهْتَدَى إلَيْهِ.
وَقُدِّمَ النَّائِبُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ إذَا كَانَ جَارًّا وَمَجْرُورًا، أَوْ ظَرْفًا غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ عِنْدَ مُجِيزِ نِيَابَةِ غَيْرِ الْمُتَصَرِّفِ، أَوْ مُتَصَرِّفًا بَاقِيًا عَلَى نَصْبِهِ عِنْدَ مُجِيزِ بَقَائِهِ، وَذَلِكَ الْجَوَازُ أَعْنِي جَوَازَ تَقْدِيمِ نَائِبِ الَّذِي هُوَ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ أَوْ ظَرْفٌ عَلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ هُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، وَلِلتَّوَسُّعِ فِيهِمَا، وَلِشَبَهِهِ بِالْفَضْلَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَشْهُورُ، كَمَا حُذِفَ الْفَاعِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ غَيْرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْأَصْلُ أَبْصِرْ بِهِ؛ (وَسَهْمًا) أَيْ وَاحِدَ النَّبْلِ (صَائِبًا) لَا يُخْطِئُ مَا رُمِيَ بِهِ (أُعِدَّ) هُيِّئَ (لِدَفْعِ مَكَايِدِ) جَمْعُ مَكِيدَةٍ وَهِيَ الْمَكْرُ وَالْخُبْثُ أَوْ الْحِيلَةُ أَوْ الْحَرْبُ، وَالْمَكِيدَةُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِالْيَاءِ لَا بِالْهَمْزَةِ لِأَصَالَةِ الْمُدَّةِ، وَهَمْزُ الْأَصِيلِ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ (أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا أَيْ الْعَدَاوَةُ، أَوْ مُرَادِفٌ لِلظُّلْمِ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ النَّاسُ الظَّلَمَةُ، فَإِنَّ شَيْخَهُ نَافِعٌ لِدُنْيَا وَأُخْرَى، أَوْ الشَّيْطَانُ وَالنَّفْسُ وَتَوَابِعُهُمَا (وَكَنْزًا) أَيْ مَالًا مَدْفُونًا، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ كَمِثْلِهِ مِمَّا مَرَّ أَوْ يَأْتِي مِمَّا لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْهِ خَشْيَةَ الْمَلَلِ، (مُدَّخَرًا) مُؤَخَّرًا لِوَقْتِ الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ، (لِنَوَائِبِ) جَمْعُ نَائِبَةٍ أَيْ مُصِيبَةٍ نَازِلَةٍ، (الدَّهْرِ) الزَّمَانُ، وَالْإِضَافَةُ إضَافَةُ حَالِ
الْمَحَلِّ، (وَنَوَازِلِ الزَّمَانِ) أَضَافَ الْحَالَ لِلْمَحَلِّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مَا يَشْمَلُ الزَّمَانَ، وَالْمُرَادُ نَوَازِلُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالْعَطْفُ تَرَادُفٌ أَوْ اعْتِبَارٌ لِلْمَفْهُومِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ النَّوَائِبِ الْإِصَابَةُ، وَمَفْهُومَ النَّوَازِلِ النُّزُولُ، فَهُمَا مُتَّحِدَانِ مَا صَدَقَا مُخْتَلِفَانِ مَفْهُومًا، (وَعَيْنًا مِنْ عَذْبِهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ أَيْ مَائِهَا الْحُلْوِ، مُتَعَلِّقٌ بِتَنْطَفِئُ، وَقُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بِهِ، (تَنْطَفِئُ) تَسْكُنُ