شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ١٢٧

وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ مَعَ إرَادَةِ ذَلِكَ بِلَا مُسَوِّغٍ، كَتَقِيَّةٍ لِذِي رَحِمٍ أَوْ جَارٍ أَوْ صَاحِبٍ

--------------------

أَوْ خَطَأٍ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطٌ عَنْ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى كَذِبًا إلَّا عَنْ عَمْدٍ، أَوْ الْمُصَنِّفُ جَرَى عَلَى

مَذْهَبٍ ضَعِيفٍ، وَالْبَسْطُ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي فِي كِتَابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ بَيَانَ الْبَيَانِ، وَقَدْ بَسَطْتُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَعْضَ بَسْطٍ، (وَهُوَ الْإِخْبَارُ) خَرَجَ بِهِ الْإِنْشَاءُ، كَقَوْلِكَ قُمْ أَوْ لَا تَقُمْ، أَوْ هَلْ قَامَ أَوْ هَلَّا قَامَ أَوْ لَيْتَهُ أَوْ لَعَلَّهُ قَامَ، وَأَذَانُ الْمُؤَذِّنِ قَبْلَ الْوَقْتِ عَمْدًا فَإِنَّهُ إعْلَامٌ بِالْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ، وَمَعَ هَذَا لَا يُسَمَّى كَذِبًا، وَقِيلَ: مَا اسْتَلْزَمَ كَذِبًا أَوْ أَشْعَرَ بِهِ كَقَوْلِكَ: قُمْ تَتَلَقَّ الْمُسَافِرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ، كَذِبٌ، وَالتَّصْدِيقُ كَمَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ مَنْطُوقِهِ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا يَلْزَمُ مَدْلُولَهُ مِنْ الْإِخْبَارِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَعْتَرِي الْإِنْشَاءَاتِ (عَنْ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ)، وَأَمَّا عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ فَغَيْرُ كَذِبٍ وَلَوْ ادِّعَاءً أَوْ تَنْزِيلًا أَوْ مُبَالَغَةً فَخَرَجَ نَحْوَ قَوْلِكَ: جَاءَ أَسَدٌ شَاكِيَ السِّلَاحَ، وَقَوْلِكَ بَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ، وَيَوْمُنَا صَائِمٌ، وَجِئْتُ أَلْفَ مَرَّةٍ إذَا قَصَدَ مَعْنَى الْكَثْرَةِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ، وَإِنْ أَرَادَ ظَاهِرَ الْمُبَالَغَةِ فَكَذِبٌ، (مَعَ إرَادَةِ ذَلِكَ) الْخِلَافِ (بِلَا مُسَوِّغٍ) بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ مُجِيزٍ.

وَهَذَا الْقَيْدُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي حَدِّ الْكَذِبِ لُغَةً فَإِنَّ التَّقِيَّةَ لِذِي رَحِمٍ مَثَلًا بِلَا تَعْرِيضٍ كَذِبٌ لُغَةً، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ تَعْرِيفَ الْكَذِبِ الشَّرْعِيِّ، وَلِذَا شَرَطَ الْعَمْدَ وَزَادَ الْقَيْدَ (كَتَقِيَّةٍ) أَيْ حَذَرٍ (لِذِي رَحِمٍ أَوْ جَارٍ أَوْ صَاحِبٍ) أَوْ مَنْ يُرْجَى نَفْعُهُ أَوْ يُخَافُ ضُرُّهُ يَتَكَلَّمُ لَهُمْ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ أَوْ مُهْمِلًا غَيْرَ ذَاكِرٍ لِمَعْنَاهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يَشْرِطُ فِي قَلْبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمَشَارِقَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالتَّقِيَّةِ تَقِيَّةَ الْقَتْلِ أَوْ الضَّرْبِ

خُصُوصًا بَلْ مَا يَشْمَلُ تَقِيَّةَ أَيِّ ضُرٍّ كَانَ، وَتَقِيَّةَ تَغْيِيرِ الْقَلْبِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ذِكْرُ الرَّحِمَ وَالْجَارِ وَالصَّاحِبِ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ

٦٣٦ / ١١٬٧٠٢