الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٠٩.................................................................................
-------------
كَانَتْ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبُولُ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَلَا يُعَارِضُهُمْ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ وُجُودِ الْأَثَرِ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمُوَافِقُونَ وَالْمُخَالِفُونَ، فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَيُجَابُ عِنْدِي بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَقْتَصِرْ حِفْظُهُمْ عَلَيْهِ، بَلْ لَهُمْ حَدِيثٌ آخَرُ يُقَيِّدُهُ فَيُعْمَلُ بِقَيْدِهِ كَمَا تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ: ﴿مَنْ عُمِّرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا أَبَدًا﴾ فَقَيَّدَهَا بِقَوْلِ الْوَاهِبِ وَلِعَقِبِهِ؛ فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْعَقِبُ تُقَيَّدُ بِهَذَا فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ ذَكَرَ الْعَقِبَ، قُلْت: لَكِنَّ تَأْوِيلَ الْكَثِيرِ غَيْرُ حَسَنٍ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْعَقِبُ كَثِيرَةٌ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِيهَا قَلِيلٌ فَيُؤَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَمَا مَرَّ بَعْد قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلِوَارِثِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَهُوَ لَهُ وَلِوَارِثِهِ فَكَيْفَ تُجْعَلُ لِلْوَارِثِ مُطْلَقًا لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْعَقِبِ وَالْعَقِبُ الْوَلَدُ فِي الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ، وَتَفْسِيرُهُ بِمُطْلَقِ مَنْ خَلَفَ مِنْ الْوَرَثَةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَفِي " الْمُدَوَّنَةِ ":
قُلْت: وَأَيُّ قَوْلٍ أَعْجَبَك مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ إذَا كَانَ رَأْيًا وَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَعْجَبَنِي أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا أَعْطَيْتهَا لِلرَّجُلِ حَيَاتَهُ وَلَمْ أَجْعَلْهَا لِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَكَيْفَ يَكُون لَهُمْ مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ إلَيْهِ السَّبِيلُ بِعَطَاءٍ، وَإِنَّمَا أُعْطِيه عَلَى جِهَةِ الْعَارِيَّةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِي إنَّهَا عَارِيَّةٌ اسْتِثْنَائِي أَنَّهَا لَهُ حَيَاتَهُ وَلَمْ أَجْعَلْهَا لَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا عَدْلًا عِنْدَك أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ حَيَاتَهُ فَيَمُوتُ فَلَا تَنْفَصِمُ تِلْكَ الْعَطِيَّةُ وَلَا تَرْجِعُ إلَى وَرَثَتِهِ بِلَا إعْطَاءٍ مِنْ صَاحِبهَا الَّذِي أَعْمَرَهَا وَلَا هِبَةً، هَذَا مَا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَمَا وَصَفْت إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَلْزَمُ الْأَثَرُ فَلَا نَقِيسُ عَلَيْهِ أَيْ لَا نُقَدِّمُ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا