شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٤٨

..................................................

---------------------------------

مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَأَنَّمَا ذَبَحَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ سِكِّينٍ﴾ وَرَوَاهُ السُّيُوطِيّ ﴿مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ﴾ وَذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنْ طَلَبِ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ يَقُولُ مَنْ تَصَدَّى لَهُ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَوَقَّهُ وَالذَّبْحُ مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ قِيلَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الذَّبْحَ فِي الْعُرْفِ يَكُونُ بِالسِّكِّينِ فَقَطْ فَعَدَلَ عَنْهُ لَيُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا هُوَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ هَلَاكِ بَدَنِهِ وَالثَّانِي أَنَّ الذَّبْحَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ إزْهَاقُ النَّفْسِ وَإِرَاحَةُ الذَّبِيحَةِ وَخَلَاصُهَا مِنْ طُولِ الْأَلَمِ وَشِدَّةِ الْعَذَابِ إنَّمَا يَكُونُ بِالسِّكِّينِ لِأَنَّهُ يَمُرُّ فِي حَلْقِ الْمَذْبُوحِ وَيَمْضِي فِي مَذَابِحِهِ فَيُجْهِزُ عَلَيْهِ.

وَإِذَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ كَانَ ذَبْحُهُ خَنْقًا وَتَعْذِيبًا فَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْحَذَرِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ وَأَشَدَّ فِي التَّوَقِّي مِنْهُ وَذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى ذَمِّ الْقَضَاءِ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْجُمْهُورِ وَحَمَلَهُ بَعْضٌ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُجَاهَدَةِ لِنَفْسِهِ حَتَّى حَكَمَ حُكْمًا شَرْعِيًّا خَالِيًا عَنْ الْجَوْرِ مُخْلِصًا وَنَفْسُهُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ تَأْبَى

ذَلِكَ وَيَصْعُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا صُعُوبَةَ الذَّبْحِ بِغَيْرِ سِكِّينٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ﴾