شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٩

اسْتِحْلَافِهِ وَإِذْعَانُهُ لِلْيَمِينِ بِإِتْيَانِهِ بِمُصْحَفٍ.

-----------------------------

اسْتِحْلَافِهِ)، أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي مِنْهُ الْحَلِفَ، وَالْهَاءُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ، أَوْ لِلْمُدَّعِي، فَيَكُونُ مِنْ إضَافَتِهِ لِلْفَاعِلِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: (وَإِذْعَانُهُ لِلْيَمِينِ)، فَإِنَّ هَذِهِ " الْوَاوَ " لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِإِتْيَانِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِكَلَّفَ (بِمُصْحَفٍ) كَامِلٍ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إلَى آخِرِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي وَاجِبٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَهُوَ الَّذِي يُكَلَّفُ بِمُؤْنَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ لِيُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ.

وَقِيلَ: يُكَلَّفُ الْمُدَّعِي الْإِتْيَانَ بِالْمُصْحَفِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ ضَرَرٌ أَرَادَ إيقَاعَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُ بِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي ذَلِكَ دُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمُرِيدِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِمَا يُقْتَصُّ بِهِ مِنْ مُوسَى أَوْ عَصَى، وَاقْتَصَرَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ عَلَى هَذَا إذَا قَالَ الْمُدَّعِي: حَلِّفْهُ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَنُحَلِّفُهُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَتَحْلِفُ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَحِينَئِذٍ يُحْضِرُ الْمُصْحَفَ، أَوْ يَقُولُ

لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لِلْمُدَّعِي: ائْتِ بِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ "، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.

وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُصْحَفٌ يُحَلِّفُ بِهِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا يُحَلِّفُ الْحَاكِمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِالْمُصْحَفِ إلَّا الْأَمِينَ وَالْحَامِلَ فَبِالْغَامُوسِ، وَلَا يُحَلِّفُ الْحَاكِمُ بِاللَّوْحِ وَلَا بِالدَّفْتَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا الْقُرْآنُ، وَلَا يُحَلِّفُ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُوَحِّدُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُحَلِّفُ الْيَهُودَ بِرَبِّ التَّوْرَاةِ، وَيُحَلِّفُ النَّصَارَى بِرَبِّ الْإِنْجِيلِ، وَالْمَجُوسَ