شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٤٨٥

..................................

------------------------------------

وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ هُوَ الْعَدَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: تُنَزَّلُ الْعُدَّةُ وَالْقُوَّةُ أَيْضًا مَنْزِلَةَ الْعَدَدِ، فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَنْ تَفِرَّ

مِائَةٌ مِنْ مِائَةٍ إذَا عَلِمَتْ أَنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضِهَا عُدَّةً أَوْ شَجَاعَةً، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَا يُنَاسِبُهُ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّ الْآيَةَ فِي قِتَالِ بَدْرٍ خَاصَّةً، وَحَلَّ الْفِرَارُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَيُّزٌ إلَى فِئَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَا فِئَةَ لَهُمْ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ انْحَازُوا لَانْحَازُوا إلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ إلَى نَافِعٍ يَسْأَلُهُ عَنْ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ، فَقَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنْ صَحَّ مَا مَرَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنَا فِئَةُ مَنْ انْحَازَ وَلَيْسُوا فِي قِتَالٍ كَانَ لَهُمْ حُجَّةً، وَصَحَّ لَهُمْ تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِبَدْرٍ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ أُحُدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، فَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى قَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ لِتَوْبَتِهِمْ مِنْ الْفِرَارِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ إنْ جَاءَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوٌّ لَا يُطِيقُونَهُ تَحَيَّزُوا إلَى الْبَصْرَةِ وَإِنْ جَاءَ مَنْ يَغْلِبُهُمْ تَحَيَّزُوا إلَى الْكُوفَةِ.

وَإِنْ جَاءَ مَنْ يَغْلِبُهُمْ تَحَيَّزُوا إلَى الشَّامِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَغْلِبُهُمْ تَحَيَّزُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَغْلِبُهُمْ فَلَيْسَ ثَمَّ تَحَيُّزٌ وَصَارَ الْجِهَادُ فَرِيضَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ حَوْطَةً وَتَطَوُّعًا، وَأَنَّهُ مَا قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ تَطَوُّعًا، قَالَ بَعْضٌ: كَانَ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ يَوْمَ بَدْرٍ كَبِيرَةً لِمَنْ فَرَّ حَتَّى جَاوَزَ صَفَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ

الْفِرَارَ حَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَرَّ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا فَإِلَى الْجَنَّةِ وَهُوَ شَهِيدٌ إنْ وَافَقَ السُّنَّةَ، وَالْمُقْبِلُ يَسْبِقُ الْمُدْبِرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ،