شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ٣٩٠

وَدَمٌ مَسْفُوحٌ ................

-------------------

فَإِنَّ الْأَصْلَ عُودُ الضَّمِيرِ لِلْمُضَافِ وَلَوْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَقْرَبَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ جُمْلَةَ الْخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلَّا الشَّعْرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِهِ الْخِرَازَةُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَبَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَرَى طَهَارَةَ كُلِّ حَيٍّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ طَهَارَتُهُ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْفَأْرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ﴿رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخِرَازَةِ بِشَعْرِهِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جُوَيْرٍ مَنْدَادٍ قَالَ: وَلِأَنَّ الْخِرَازَةَ بِهِ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ مَوْجُودَةٌ طَاهِرَةٌ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ النَّظَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَذْهَبُنَا تَحْرِيمُهُ بِكُلِّيَّتِهِ، وَتَنْجِيسِهِ وَلَوْ حَيًّا، وَتَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

وَمِمَّنْ حَرَّمَ الِانْتِفَاعَ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَرَخَّصَ الْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَمْ يَحْرُمْ مِنْ الْخِنْزِيرِ إلَّا لَحْمُهُ فَهُوَ مُنَافِقٌ (وَدَمٌ مَسْفُوحٌ) أَيْ مَصْبُوبُ وَصَابُّهُ اللَّهُ أَوَالْجَارِحُ أَوْ اللَّحْمُ وَالْعُرُوقُ، وَذَلِكَ وُجُوهٌ فِي التَّقْدِيرِ، وَالْفَاعِلُ

فِي الْحَقِيقَةِ اللَّهُ، وَوَجْهُ تَنْجِيسِ بَعْضِهِمْ الدَّمَ وَلَوْ يَابِسًا مُتَفَتِّتًا مِنْ دَاخِلِ الْجِلْدِ أَوْ لَمْ يُجَاوِزْ مَكَانَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ فَعَمَّ الدَّمَ، وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ بِالْمَسْفُوحِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فَلَيْسَ عِنْدَهُ قَيْدًا؛ لِأَنَّهُ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ إذْ كَانُوا يَفْصِدُونَ الدَّمَ مِنْ الْبَعِيرِ مَثَلًا فَيَأْكُلُونَهُ، وَالدَّمُ يَشْمَلُ الْيَابِسَ وَالرَّطْبَ، وَالسَّفْحَ وَلَوْ اُخْتُصَّ بِالْمَائِعِ لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْعَادَةِ فِي فِعْلِهِمْ كَمَا مَرَّ، بَلْ إذَا خَرَجَ الدَّمُ فَقَدْ صُبَّ مِنْ دَاخِلٍ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْ الْجُرْحَ عِنْدَهُ فَهُوَ مَسْفُوحٌ، وَكَذَا إنْ احْتَبَسَ دَاخِلَ الْجِلْدِ ثُمَّ تَيَبَّسَ فَمَا تَيَبَّسَ إلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ مَسْفُوحًا، وَأَيْضًا مَذْهَبُ بَعْضٍ الْحُكْمُ بِالْمُطْلَقِ لَا بِالْمُقَيَّدِ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجُمْلَةِ الْعَكْسُ، وَبِهِ يُحْكَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا لَمْ

٨٩٩ / ١١٬٧٠٢