الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٥وَوِلَايَةٍ وَأَضْدَادِهَا.
-----------------------
لِمَنْ فَعَلَ فِيهِ خَيْرًا وَلَمْ يَقْصِدْ التَّعْظِيمَ وَالْمُكَافَأَةَ لَمْ يَكُنْ شُكْرًا وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الشُّكْرُ فِي الْقَلْبِ وَحْدَهُ كَاعْتِقَادِ صِفَاتِ اللَّهِ وَحُبِّهِ وَحُبِّ أَوْلِيَائِهِ، وَالذِّكْرُ بِالْقَلْبِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ قَدْ يَكُونُ تَارَةً مِنْ غَيْرِهِ.
(وَوِلَايَةٍ) هِيَ الْحُبُّ بِالْقَلْبِ وَالدُّعَاءُ بِالْجَنَّةِ أَوْ مَا يُوجِبُهَا بِاللِّسَانِ (وَأَضْدَادِهَا) وَهِيَ الشِّرْكُ و الْإِصْرَارُ وَالْكُفْرَانُ وَالْبَرَاءَةُ، وَعِنْدِي يَكْفِي فِي الْوِلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ الْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالدُّعَاءُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ بِالْقَلْبِ، فَحُبُّ الْعَاصِي لِمَعْصِيَتِهِ مَعْصِيَةٌ وَبُغْضُهُ لَهَا طَاعَةٌ، وَبُغْضُ الْمُطِيعِ لِطَاعَتِهِ مَعْصِيَةٌ وَحُبُّهُ لَهَا طَاعَةٌ وَمَحِلُّهُمَا الْقَلْبُ، وَكَذَلِكَ السَّخَطُ عَدَمُ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَكَذَا الْعِلْمُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ عَلَى تَعْرِيفِهِ فِي شَرْحِ قَصِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْمُكَاتَبَةِ لِابْنِ النَّظَرِ؛ وَكَذَا التَّعَزُّزُ بِالْقَلْبِ وَهُوَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ عَزِيزًا غَالِبًا قَاهِرًا لِغَيْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى قُوَّتِهِ وَجَاهِهِ وَمَالِهِ، لَا عَلَى اللَّهِ وَالْعِزَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَهُوَ الْمُعِزُّ لِمَنْ يَشَاءُ، وَالتَّعَزُّزُ عَلَى الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِمْ طَاعَةٌ بِمَعْنَى التَّرَفُّعِ عَنْهُمْ لِكُفْرِهِمْ؛ وَالْحِقْدُ هُوَ مِنْ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَهُوَ اسْتِدَامَةُ الْغَيْظِ وَالْعَزْمُ عَلَى الِانْتِقَامِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ طَلَبُ الِانْتِقَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَغْضَبُ فَلَا يَجِدُ التَّشَفِّيَ فَيُرْجِعُ غَضَبَهُ لِلْبَاطِنِ يَصِيرُ فِيهِ حِقْدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشِّرْكَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَلَوْ بِلَا نُطْقٍ، نَعَمْ لَا يَكُونُ بِهِ إلَّا مَعَ اللِّسَانِ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ لَنَا وَهُوَ وَصْفُ اللَّهِ بِصِفَةِ الْخَلْقِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِأَنْوَاعِ الشِّرْكِ كُلِّهَا فَإِنَّ التَّعَدُّدَ وَالْعَدَمَ مِنْ صِفَاتِهِمْ، كَمَا أَنَّ التَّوْحِيدَ تَنْزِيهُهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ بِأَنْوَاعِهِ كُلِّهَا، وَالْإِصْرَارُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ نِيَّةِ أَنْ لَا يَنْقَلِعَ حَتَّى يَمُوتَ، وَهُوَ مِنْ الْقَلْبِ وَالْجَارِحَةِ، وَالتَّمَادِي الْعَزْمُ عَلَيْهَا مَعَ نِيَّةِ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا يَوْمًا مَا كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾،