الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٤وَتَوْبَةٍ. وَشُكْرٍ.
----------------------
مَا فِي الْقَلْبِ يُقْصَدُ بِإِقْرَارِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، وَجَرْيُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازُ الدِّينِ وَإِشْهَارُهُ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلَا يُقَالُ قَدْ يُقِرُّ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ فَلَا يَدُلُّ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ يُحْقَنُ الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ كَمَا قَالَ أَبُو عَمَّارٍ، لِأَنَّا نَقُولُ مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ: إنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا فِي الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِقْرَارِ مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ فَيَجْرِي عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ تَجْرِي عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَمْ زِنْدِيقٌ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ فَحُكِمَ لَهُ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَرَخَّصَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ إقْرَارٌ فَقَطْ فَيَلْزَمُهُ كَوْنُ الزِّنْدِيقِ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا وَكَوْنُ الْأَخْرَسِ الْعَارِفِ بِقَلْبِهِ مُشْرِكًا قَالَهُ أَبُو عَمَّارٍ، وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ الْإِقْرَارَ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا إنْ وَاطَأَهُ الْقَلْبُ وَالْأَخْرَسُ مَعْذُورٌ فَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ: الْإِيمَانُ هَا هُنَا بِإِشَارَةٍ إلَى الصَّدْرِ الشَّرِيفِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَكْفِي بِلَا إقْرَارٍ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا جَمَعُوا أَدِلَّةَ الْمَعْرِفَةِ وَأَدِلَّةَ الْإِقْرَارِ و صَيَّرُوهَا مَعًا دَلِيلًا عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ وَالْمَعْرِفَةِ.
(وَتَوْبَةٍ) لَا تَصِحُّ إلَّا بِنَدَمٍ مِنْ الْقَلْبِ وَاعْتِقَادِ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى مَا تَابَ مِنْهُ وَبِأَعْمَالِ الْجَارِحَةِ فِي إصْلَاحِ مَا أَفْسَدَ لَكِنْ إنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ أَوْ لَا حَقَّ فِيهِ لِمَخْلُوقٍ، وَمِنْ أَعْمَالِ الْجَارِحَةِ إعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ، وَلَا عَمَلَ فِي إصْلَاحِهِ، كَفَاهُ الْقَلْبُ، إلَّا إنْ حَضَرَهُ أَحَدٌ فَيَلْزَمُهُ إظْهَارُهَا بِلِسَانِهِ عِنْدَهُ أَوْ يُبَلِّغُهَا إلَيْهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ مُطْلَقًا لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ.
(وَشُكْرٍ) هُوَ لُغَةً: فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ، وَشَرْعًا: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْقَلْبَ وَالْجَارِحَةَ، وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ أَبِي مَسْأَلَةَ يَكُونُ بِالْجَارِحَةِ الَّتِي هِيَ اللِّسَانُ أَوْ غَيْرِهَا مَعَ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ بِالْجَارِحَةِ خَيْرًا