الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٣وَالتَّكَبُّرُ عَلَى ذَوِي التَّجَبُّرِ تَوَاضُعٌ
---------------------------
وَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَبَاءَةَ} عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الْكِبْرَ بِأَنَّهُ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ أَيْ فَوْقَ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُتَكَبَّرٌ عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمُتَكَبِّرِ دُورٌ، فَالْكِبْرُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ آخَرَ يَتَكَبَّرُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْعُجْبِ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْ الرَّجُلِ وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ غَيْرَهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَعْنَى الْكِبْرِ أَنْ يَتَعَاظَمَ الْمَرْءُ عَلَى غَيْرِهِ أَنَفَةً وَاحْتِقَارًا وَأَخْلَاقُ الْكِبْرِ كُلُّهَا تُسَمَّى كِبْرًا وَقَدْ يَتَكَوَّنُ عَنْ الْحِقْدِ
وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ لِأَنَّ أَوَّلَهُ فِي الْقَلْبِ اسْتِعْظَامُ الْقَدْرِ فَإِذَا اسْتَعْظَمَهُ تَعَظَّمَ فَإِذَا تَعَظَّمَ تَعَزَّزَ وَافْتَخَرَ وَاسْتَطَالَ وَمَرِحَ وَاخْتَالَ، فَالْكِبْرُ التَّعْظِيمُ وَلَهُ أَسْبَابٌ مِنْ جُمْلَتِهَا الْعُجْبُ وَهُوَ أَكْثَرُهَا، وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الْكِبْرُ عَلَى الْعُجْبِ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْهُ، وَيُقَالُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إمَّا فِي الدِّينِ فَقَدْ يَعْجَبُ بِعَمَلِهِ فَيَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيَنْسَى مِنْهُ رَبَّهُ بِذَلِكَ وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ، وَرُبَّمَا أَخْرَجَهُ الْعُجْبُ إلَى أَنْ يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيُحَقِّرُهُ وَيَأْنَفُ مِنْهُ فَيَكُونُ مُتَكَبِّرًا مُعْجَبًا، وَأَمَّا بِأَمْرِ الدُّنْيَا فَقَدْ يَعْجَبُ بِجَمَالِهِ وَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَلَا يَتَكَبَّرُ، وَقَلِيلٌ مَا يَنْفَرِدُ الْعُجْبُ بِالدُّنْيَا دُونَ أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ إلَى الْكِبْرِ وَالْمَرِحِ وَالْخُيَلَاءِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بِرَدَّيْنِ لَهُ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ إذْ أَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فَوَصَفَهُ بِالْعُجْبِ فِي تَبَخْتُرِهِ وَخُيَلَائِهِ وَمِنْ الْكِبْرِ الْأَمْرُ بِتَسْفِيهِ الْحَقِّ وَغَمْضِ الْخَلْقِ.
(وَالتَّكَبُّرُ عَلَى ذَوِي التَّجَبُّرِ) أَيْ التَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ مَعَاصِيهمْ لَا إعْجَابًا بِنَفْسِهِ أَوْ تَعْظِيمًا لَهَا (تَوَاضُعٌ) لِلَّهِ تَعَالَى بِخِدْمَتِهِ لِأَنَّ تَرَفُّعَهُ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَرَدْعٌ عَنْهَا لِأَنَّهُ إذَا تَرَفَّعَ عَنْهُمْ