شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣١

...........................

-----------------------------

طِينَةِ الْخَبَالِ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَالشَّهِيدُ وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَشْغَلُهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفَقِيرٌ ضَعِيفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ﴾.

وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَاجَى رَبَّهُ فَقَالَ: مَنْ أَبْغَضُ خَلْقِكَ إلَيْكَ؟ قَالَ: مَنْ تَكَبَّرَ قَلْبُهُ، وَغَلُظَ لِسَانُهُ، وَلَمْ تَدْمَعْ عَيْنُهُ، وَبَخِلَتْ يَدُهُ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: التَّوَاضُعُ إحْدَى مَصَائِدِ الشَّرَفِ وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ عَلَيْهَا إلَّا التَّوَاضُعُ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: افْتِخَارُ الْمُؤْمِنِ بِرَبِّهِ وَعِزُّهُ بِدِينِهِ، وَافْتِخَارُ الْمُنَافِقِ بِحَسَبِهِ وَعِزُّهُ بِمَالِهِ وَيَجِبُ أَنْ يُرَاقِبَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَيَمْتَحِنَهَا فَيَقُولُ فِي الْعُجْبِ: إنَّمَا عَمَلِي بِبَدَنِي وَاَللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ بَدَنِي وَقَوَّاهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَخَلَقَ مِنْهُ الْعَمَلَ، وَإِنْ عَجِبَ بِقُوَّتِهِ فِي الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ أَحْضَرَ أَنَّ ذَلِكَ تَوَغُّلٌ فِي صِفَاتِ الْبَهَائِمِ فِي الْعَمَلِ بِشَهْوَةِ النَّفْسِ بِلَا قَصْدِ أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ وَتَبَاعُدٌ عَنْ صِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ، قِيلَ: وَيَحْمِلُ حُزْمَةَ حَطَبٍ إنْ كَانَ مَنْظُورًا إلَيْهِ فَإِنْ تَوَحَّشَ مِنْهَا فَفِيهِ عُجْبٌ وَقَدْ حَمَلَ الصِّدِّيقُ جِلْدَ شَاةٍ يَبِيعُهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ كِبْرًا بَلْ تَحَمَّلَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ

مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْخٍ لَئِيمٍ فِي اخْتِبَارِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ.

وَمِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ الْعُجْبُ فَقَدْ يَعْجَبُ الْإِنْسَانُ بِعَمَلِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَيَنْسَى مِنَّةَ رَبِّهِ وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ وَقَدْ يُخْرِجُهُ إلَى أَنْ يُحَقِّرَ غَيْرَهُ وَيَأْنَفَ فَيَكُونُ مُتَكَبِّرًا مُعْجَبًا، وَقَلَّ مَا يَنْفَرِدُ الْعُجْبُ بِالدُّنْيَا عَنْ الْكِبْرِ، وَتَرَكَ أَبُو هُرَيْرَةَ إمَامَةَ قَوْمِهِ لِأَنَّ نَفْسَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَاسْتَأْذَنَ عُمَرَ إمَامُ قَوْمٍ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعَوَاتٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَمَنَعَهُ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ