الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٢وَالرِّيَاءُ
-------------------------------
يَنْتَفِخَ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّرَيَّا.
(وَالرِّيَاءُ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْكِبْرِ وَهُوَ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْقُلُوبِ بِإِرَاءَةِ خِصَالِ الْخَيْرِ، فَالْمُرَائِي هُوَ هَذَا الطَّالِبُ وَالْمُرَاءَى هُمْ النَّاسُ وَالْمُرَاءَى بِهِ الْخِصَالُ الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا الْمَنْزِلَةَ فِي الْقُلُوبِ وَهُوَ فِعَالٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الرُّؤْيَةِ، وَهُوَ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَالْأُولَى بِصُورَةِ بَاءٍ بِلَا نَقْطٍ أَوْ بِنَقْطٍ وَتُكْتَبُ الْهَمْزَةُ عَلَيْهَا الْأُولَى هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ وَهِيَ هَمْزَةُ رَأَى، وَالثَّانِيَةُ لَامُ الْكَلِمَةِ وَهِيَ يَاءُ الرُّؤْيَةِ قُلِبَتْ هَمْزَةٌ لِتَطَرُّفِهَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ، وَأَصْلُ الْفِعَالِ وَالْمُفَاعَلَةِ أَنْ يَنْفَعِلَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا كُلُّ وَاحِدٍ لِلْآخَرِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُرَاءَى يَرَى الْمُرَائِيَ بِأَعْمَالِهِ أَنْ يَقْصِدَهُ بِهَا لِيَرَاهُ، وَيَرَاهُ الْمُرَاءَى يَعْمَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعَالُ هُنَا لِلطَّلَبِ، فَإِنَّ الْمُرَائِيَ يَطْلُبُ بِإِظْهَارِهِ الْعَمَلَ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، أَوْ الْمَعْنَى صَيَّرَهُمْ رَائِينَ لَهُ بِإِظْهَارِ عَمَلِهِ لَهُمْ وَقِيلَ: الرِّيَاءُ هُوَ إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا؛ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلُهُ أَوْ إعْلَامُهُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مُلْجِئٍ بَاعِثٍ عَلَى نَفْسِهِ وَقَدْ يُطْلَقُ الرِّيَاءُ عَلَى حُبِّ الْمَنْزِلَةِ وَقَصْدِهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِأَعْمَالِ الدُّنْيَا، وَهَذَا رِيَاءٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يُقَارِنْهُ نَفْعُ الْآخِرَةِ فَرِيَاءٌ مَحْضٌ وَإِنْ قَارَنَهُ فَرِيَاءُ تَخْلِيطٍ إمَّا غَالِبٌ أَوْ مُسَاوٍ أَوْ مَغْلُوبٌ فَالْجُمْلَةُ خَمْسَةٌ، قِيلَ: وَالْمُرَادُ مِنْهُ نَفْعُ الدُّنْيَا أَيْ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ نَفْعُهَا إمَّا خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ، وَنَفْعُ الدُّنْيَا إمَّا جَاهٌ أَوْ مَالٌ أَوْ قَضَاءُ شَهْوَةٍ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ يَسِيرٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ مِنْ الْخَالِقِ تَعَالَى لَيْسَ بِرِيَاءٍ لِوُرُودِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالِاسْتِخَارَةِ
وَالْحَاجَةِ وَنَحْوِهَا وَغَيْرُهُ كُلُّهُ رِيَاءٌ، وَإِنْ كَانَ إعْلَامُ الْغَيْرِ بَاعِثًا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِظْهَارِ لِلِاقْتِدَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ النِّيَّاتِ الصَّالِحَاتِ لَا عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ فَلَيْسَ بِرِئَاءٍ فَإِنَّ الرِّئَاءَ يُسْتَعْمَلُ لِجَلْبِ الْجَاهِ وَاسْتِعْمَالُ الْقُلُوبِ إمَّا لِذَاتِهِ وَإِمَّا لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ طَاعَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَغْرَاضًا مِنْ الرِّيَاءِ بِغَيْرِ تَوَسُّطٍ فَتِلْكَ أَرْبَعَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ قَصْدُ الْجَاهِ بِالذَّاتِ فَكَمَنْ يَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ