شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٧

أَوْ فِي خَلَاءٍ. و بِفِعْلِ جَارِحَةٍ.

-------------------

فِعْلَ فِيهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا رَجَعَتْ هَاءُ نَفْسِهِ لِغَيْرٍ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلتَّغَيِّي إذْ لَوْ رَدَدْتُهُ لَهُ لَا لِغَيْرٍ لَكَانَتْ فَوْقَهُ غَايَةٌ وَهُوَ فِعْلُ غَيْرِكَ فِي غَيْرِكَ.

وَفِي ذَلِكَ اسْتِخْدَامٌ، لِأَنَّ غَيْرَكَ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ لَيْسَ هُوَ غَيْرُكَ الْفَاعِلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْقَطَ قَوْلُهُ: وَحَالٍ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى بِالْغَايَاتِ فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وَبِمَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَ التَّغَيِّي فِي قَوْلِهِ: وَفِي ذَاهِبٍ إلَى وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ وَبِأَنْ يُدْخِلَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَيَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ (أَوْ فِي خَلَاءٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا هُوَ صُورَةُ رِيَاءٍ، أَوْ يَعْقِدَ نَوَاهُ وَيَعْزِمَ عَلَى الْفَخْرِ بِهِ وَالِانْتِسَابِ إلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا فِي مَحْضَرِ النَّاسِ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَخْلُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَكُونُ الرَّجُلُ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ قَدْ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَابُ وَاقِفًا فِي صَلَاتِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَهُوَ مُرَاءٍ إذَا أَحَبَّ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَيَطَّلِعُوا عَلَيْهِ قُلْتُ: وَيُتَصَوَّرُ الرِّيَاءُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعَظَّمَ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ عَلَى حَدِّ عَظَمَتِهِ عِنْدَ الْخَلْقِ بِالشُّهْرَةِ لَا عَلَى التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ بِحُبِّ الْمَلَائِكَةِ إيَّاهُ فَافْهَمْ.

(و) يُرَائِي (بِفِعْلِ جَارِحَةٍ) وَبِفِعْلِ قَلْبٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا أَوْ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ، مِثْلُ أَنْ يُرَائِيَ بِشَجَاعَةِ قَلْبِهِ وَشِدَّةِ بَطْشِ جَوَارِحِهِ، وَرِيَاءُ الْمُنْتَسِبِينَ لِلدِّينِ يَكُونُ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ عِبَادَةٌ، وَلِذَلِكَ حَكَى أَصْحَابُنَا: أَنَّ الدِّينَ بَاقٍ مَا دَامَ الرِّيَاءُ فِي النَّاسِ، وَكَذَا قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُرَائِي بِمَا يَعُدُّهُ عَظِيمًا أَوْ يَرَى غَيْرَهُ يُعَظِّمُهُ فَمَا دَامَ النَّاسُ يُرَاءُونَ فَإِنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ دِينَ اللَّهِ عَظِيمٌ شَرِيفٌ، وَالْمُرَائِي كَافِرٌ، وَلَكِنْ يَحْصُلُ لِلدِّينِ بِهِ اعْتِزَازٌ كَمَا وَرَدَ: ﴿يُؤَيِّدُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ وَكَمْ مِنْ فَاتِحِ مُدُنِ الشِّرْكِ وَقَاتِلٍ لِلْمُشْرِكَيْنِ وَمُقِرٍّ عُلُومًا وَمُنْفِقٍ أَمْوَالًا فَانْتَفَعَ بِذَلِكَ