الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٠١وَإِنْ بِإِشَارَةٍ لِقَبْرِهِ. وَنُدِبَ إشْهَارُ فَرْضٍ وَإِخْفَاءُ نَفْلٍ.
---------------------------
(وَإِنْ بِإِشَارَةٍ لِقَبْرِهِ) بِقَافٍ وَبَاءٍ أَيْ لِقَبْرِ غَيْرِهِ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا أَوْ ذَلِكَ قَبْرُ فُلَانٍ شَيْخٌ لَهُمْ أَوْ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ يُتَرَفَّعُ بِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَشَارَ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ بِوَصْفٍ، وَكَذَا لَا يُحِبُّ شُهْرَةَ نَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَكْرَهُونَ أَنْ تُجْعَلَ لِقُبُورِهِمْ عَلَامَةً يُمَيَّزُونَ بِهَا مِنْ سَائِرِ قُبُورِ عَامَّةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا عَلَى حَدِّ مَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ، وَبَنَوْا عَلَى قَبْرِ الشَّيْخِ عَامِرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَازَاهُ
عَنِّي خَيْرًا - بِنَاءً قَوِيًّا فَأَصْبَحَ مُنْهَدِمًا بِلَا مَطَرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَأَوَّلُوهُ بِأَنَّهُ يَكْرَهُ الشُّهْرَةَ، وَرَوَى قَوْمُنَا أَنَّهُ لَا يُشَارُ إلَى قَبْرٍ بِأُصْبُعٍ وَلَا السَّحَابِ أَيْ وَلَوْ بِلَا إرَادَةِ شُهْرَةٍ، وَأَمَّا أَنْ يُحِبَّ الشُّهْرَةَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمَنْزِلَةَ وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ الْخَيْرِ وَيُشْهِرُ ذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَنَّى وَيُحِبَّ وَيَدْعُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ وَيَأْمُرَ بِهِ وَحُبُّ الشُّهْرَةِ هُوَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْعُلُوِّ فِي الْمَرْتَبَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَيَكْرَهَ الْخُمُولَ، وَيُحِبَّ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ سَوَاءٌ اسْتَشْعَرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَعْمَالَهُ مَثَلًا أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، وَالرِّئَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاسْتِشْعَارِ الْعَمَلِ أَوْ نَحْوِهِ.
(وَنُدِبَ إشْهَارُ) وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: شَهْرًا وَشُهْرَةً لِأَنَّ شَهَرَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ: شَهَرَ فَهُوَ مَشْهُورٌ (فَرْضٍ) كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ مِثْلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْجَامِعِ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِتَرْكِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِإِظْهَارِهِ إبْعَادَ التُّهْمَةِ، وَعِنْدِي لَا يَقْصِدُ هَذَا لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِمَخْلُوقٍ بَلْ يَقْصِدُ شَهْرَ الْفَرْضِ وَدُعَاءَ النَّاسِ إلَيْهِ إعْزَازًا لِلْإِسْلَامِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ إبْعَادُ التُّهْمَةِ عَنْهُ (وَإِخْفَاءُ نَفْلٍ) لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الرِّئَاءُ أَوْ نَحْوُهُ فَيَفْسُدُ وَيَعْصِي إلَّا إنْ قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ وَأَمِنَ الرِّئَاءَ وَنَحْوَهُ وَقَدْ مَرَّ كَلَامٌ فِي إخْفَاءِ النَّفْلِ وَإِظْهَارِهِ، وَقَالُوا بِإِظْهَارِ التَّلْبِيَةِ وَلَوْ تَلْبِيَةَ النَّفْلِ وَإِظْهَارِ صَلَاةِ الضُّحَى وَأَشْيَاءَ ذَكَرْتُهَا فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ.