شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٠٤

أَوْ فِي مُبَاحٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ مُحَرَّمٍ

-------------------------------

الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ حُسْنَ الزَّيْنِ وَالْجَمَالِ قِيلَ: مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَأَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْمَعَاصِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَاهُ بِذَرَّةٍ مِنْ التَّصَنُّعِ.

وَوَرَدَ سَيَّارٌ الْبَصْرَةَ وَبَيْنَمَا يُصَلِّي وَكَانَ حَسَنُ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ جُدُدٌ فَرَآهُ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فَجَلَسَ إلَيْهِ فَسَلَّمَ سَيَّارٌ فَقَالَ مَالِكٌ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ وَمَا هَذِهِ الثِّيَابُ؟ فَقَالَ سَيَّارٌ: ثِيَابِي هَذِهِ تَضَعُنِي عِنْدَكَ أَوْ تَرْفَعُنِي قَالَ: تَضَعُكَ؟ قَالَ: هَذَا أَرَدْتُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ إنِّي لَأَحْسَبُ ثَوْبَيْكَ هَذَيْنِ قَدْ أَنْزَلَاكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا لَمْ يُنْزِلْكَ اللَّهُ، فَبَكَى مَالِكٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَنْتَ سَيَّارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فَعَانَقَهُ مَالِكٌ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿أَنْ قَوْمًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ فَجَعَلَ يُسَوِّي مِنْ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ بِالْمَاءِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إلَى إخْوَانِهِ فَلْيَهْتَمَّ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ﴾ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ فَمِنْ وَظَائِفِهِ أَنَّهُ يَسْعَى فِي تَعْظِيمِ أَمْرِ نَفْسِهِ كَيْ لَا تَزْدَرِيَ بِهِ نُفُوسُهُمْ وَلَا تَسْتَصْغِرُهُ عُيُونُهُمْ فَيُنْفِرُ الْمُنَافِقُونَ بِذَلِكَ عَنْ دُعَائِهِ (أَوْ فِي مُبَاحٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ مُحَرَّمٍ) هَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَيِّزِ التَّغَيِّي بَلْ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ.

وَفِي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ وَمُحَرَّمٌ فِي مُبَاحٍ وَفَرْضٍ وَمُحَرَّمٍ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِلتَّنْوِيعِ، وَالْمَسْنُونُ دَاخِلٌ هُنَا فِي الْمُبَاحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ حَرَامٍ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي التَّغَيِّي كَأَنَّهُ قَالَ هُنَا: وَإِنْ فِي مُبَاحٍ إلَخْ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّزْيِينُ فِي الْمُبَاحِ لِأَنَّهُ أُبِيحَ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ أُبِيحَ التَّزْيِينُ بِهِ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ التَّزْيِينُ

بِالْفَرْضِ كَمَا قَدْ يُقَالُ: لَا رِيَاءَ فِيهِ، فَأَشَارَ أَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ، وَنَصَّ