الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١١٧وَقِيلَ: بِنِيَاحٍ وَدُعَاءٍ بِوَيْلٍ وَثُبُورٍ، وَلَا يَضُرُّ بُكَاءُ رَحْمَةٍ وَرَأْفَةٍ
---------------------------
لَوْنُهُ (وَقِيلَ بِنِيَاحٍ) عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَصْلُهُ فِي الْمَيِّتِ بِكَسْرِ النُّونِ (وَدُعَاءٍ بِوَيْلٍ وَثُبُورٍ) كِلَاهُمَا بِمَعْنَى الْهَلَاكِ وَجَمَعَهُمَا فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَفْظِ الْوَيْلِ فِي الْمُلِمَّةِ بِطَرِيقِ الْخُرُوجِ عَنْ الصَّبْرِ كَبِيرَةٌ وَالتَّلَفُّظُ بِلَفْظِ الثُّبُورِ كَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَيْلِي أَوْ ثُبُورِي أَوْ يَا وَيْلِي أَوْ يَا ثُبُورِي.
وَعَرَّفَ بَعْضُهُمْ الْجَزَعَ بِأَنَّهُ عَدَمُ تَحَمُّلِ الْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ وَإِظْهَارُهُمَا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا تَضَجُّرًا (وَلَا يَضُرُّ بُكَاءُ رَحْمَةٍ وَرَأْفَةٍ) هِيَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ وَهِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إيَّاكُمْ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ الْقَلْبِ وَالْعَيْنِ فَمِنْ
الرَّحْمَنِ وَمَا يَكُونُ مِنْ اللِّسَانِ وَالْيَدِ فَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ثَلَاثَةٌ مِنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ شَقُّ الْجَيْبِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ﴾، أَيْ يُشْبِهْنَ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ أَيْ الشِّرْكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَاسِقَ بِالْجَارِحَةِ لَا يُقَالُ إنَّهُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ بَلْ كَافِرٌ، وَلَمَّا مَاتَ ابْنُهُ إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقِيلَ: أَلَمْ تَنْهَنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْجَزَعِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ، الْقَلْبُ يَحْزَنُ وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ وَعُزِّيَ الشَّيْخُ أَبُو مِسْوَرٍ فِي ابْنٍ لَهُ مَاتَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَالَ: مَا الصَّبْرُ الْجَمِيلُ؟ فَقَالُوا: مِنْكَ الْجَوَابُ فَقَالَ: أَنْ لَا تَنْظُرَ الْمُصِيبَةَ فِي وَجْهِ الْمُصَابِ.
قَالَ: وَهَلْ أَسْهَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: مِنْكَ الْجَوَابُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَجْهُهُ قَالَ: وَهَلْ أَسْهَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: مِنْكَ الْجَوَابُ قَالَ: مَا لَمْ يَبْكِ قَالَ: وَهَلْ أَسْهَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: مِنْكَ الْجَوَابُ قَالَ: مَا لَمْ يَصِحْ وَيَدْعُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ لِأَنَّ الْبُكَاءَ يَكُونُ مِنْ الرَّحْمَةِ ا هـ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ الْمُسَمَّى بِأَبِي مَسْأَلَةَ فَانْظُرْهُ، وَمَا كَتَبْتُ