الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١١٦وَالْجَزَعُ هُوَ تَرْكُ الصَّبْرِ وَإِنْ بِتَغَيُّرِ لَوْنٍ، وَقِيلَ: بِبُكَاءٍ وَصِيَاحٍ،
------------------------------
رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ}.
وَعَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ إنِّي قَدْ أَكْبَبْتُ لَكُمْ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِهَا فَلَا تُنْعِشُوهَا بَعْدِي فَإِنَّ مِنْ خُبْثِ الدُّنْيَا أَنَّ اللَّهَ عُصِيَ فِيهَا، وَإِنَّ مِنْ خُبْثِ الدُّنْيَا أَنَّ الْآخِرَةَ لَا تُدْرَكُ إلَّا بِتَرْكِهَا فَاعْبُرُوهَا وَلَا تُعَمِّرُوهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَصْلَ كُلِّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا وَرُبَّ شَهْوَةٍ أَوْرَثَتْ أَهْلَهَا حُزْنًا طَوِيلًا مِثْلَ أَنْ يُحِبَّ الْمَالَ فَيَمْنَعَ الْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ يُنْقِصَ مِنْهَا أَوْ يُحِبَّهُ فَيَشْتَغِلَ بِجَمْعِهِ أَوْ حِفْظِهِ عَنْ الْحَجِّ وَالْإِيصَاءِ بِهِ، أَوْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَوْ يُصَلِّيَهَا بِلَا وَظَائِفَ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ لِيَكُونَ رَئِيسًا أَوْ فَائِقًا أَقْرَانَهُ وَيُضَيِّعَ أَهْلَهُ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا
لَا يَجُوزُ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِهِ أَوْ بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَعِقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ يُضَيِّعَ حَقَّ زَوْجِهِ أَوْ عَبْدِهِ فَفِعْلُهُ كَبِيرَةٌ، وَحُبُّ الدُّنْيَا الَّذِي أَوْصَلَهُ إلَى ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، أَصْلٌ لَهَا، وَكَذَا حُبُّهَا كَبِيرَةٌ وَسُخْطُ الْمَقْدُورِ كَبِيرَةٌ، وَالْجَزَعُ كَبِيرَةٌ، وَقِيلَ: حُبُّهَا وَمَا جَرَّ إلَيْهِ حُبُّهَا كَبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: حُبُّهَا مَعْصِيَةٌ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ حُبُّهَا كَبِيرَةٌ.
وَأَمَّا إذَا أَحَبَّهَا وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ (وَالْجَزَعُ) الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ (هُوَ تَرْكُ الصَّبْرِ وَإِنْ بِتَغَيُّرِ لَوْنٍ) وَلَا سِيَّمَا بِبُكَاءٍ أَوْ صِيَاحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَأْتِي فِي الْأَقْوَالِ، وَشَرْطُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ إنْكَارٌ وَقِيلَ: إنَّهُ كَيْفَ يَسْتَحِقُّ هَذَا أَوْ كَيْفَ بُلِيَ بِهَذَا فَيَلْتَفِتُ إلَى هَذَا الْخَاطِرِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَإِلَّا فَتَغَيُّرُ اللَّوْنِ بِمُجَرَّدِ الشِّدَّةِ لَيْسَ مَعْصِيَةً لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ (وَقِيلَ): الْجَزَعُ هُوَ تَرْكُ الصَّبْرِ (بِبُكَاءٍ وَصِيَاحٍ) أَوْ بِأَحَدِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ