الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٢٤...........................
--------------------------
وَزَعَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ جَائِزٌ أَيْ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَكِنْ قَالَ: عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى رَأْسِهِ أَفْضَلُ، قَالَ كَالِاسْتِئْجَارِ لِلْأَذَانِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَةِ عِنْدَنَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: عَوْدُ الْمَنْفَعَةِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ شَرْطٌ فِي الْإِجَارَةِ فَيَجِبُ عَوْدُهَا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ مَيِّتِهِ لَكِنْ الْمُسْتَأْجِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِأَنْ يَقْرَأَ الْغَيْرُ لَهُ، وَمَشْهُورٌ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلْحَقُهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ.
وَوَرَدَتْ لَهُ أَخْبَارٌ فَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ فَلْيُعْقِبْ الْقِرَاءَةَ بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَلْحَقُهُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ وَأَكْثَرُ بَرَكَةً، وَقِيلَ: إنْ نَوَى الثَّوَابَ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَلْحَقْهُ وَإِنْ قَرَأَ وَجَعَلَ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَجْرِ لَهُ فَهَذَا دُعَاءٌ بِحُصُولِ الْأَجْرِ لَهُ فَيَلْحَقُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْبَدَنِ لَا تَقَعُ مِنْ الْغَيْرِ وَيَرُدُّهُ مَا وَرَدَ مِنْ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ، وَزَعَمُوا أَنَّ
الْمُخْتَارَ جَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمَيِّتَ كَالْحَيِّ الْحَاضِرِ فَتُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ وَوُصُولُ الْبَرَكَةِ إذَا أُهْدِيَ لَهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ، وَنَفْعُ الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُسْتَحَبًّا كَمَا أَطْلَقُوا اعْتِمَادًا عَلَى سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي وُسْعِ اللَّهِ أَنْ يُثِيبَ الْمُتَصَدِّقَ أَيْضًا، قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَصَدِّقُ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يَنَالُهُمَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ وَكُلُّ وَقْفٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ إنْ جُعِلَ لَهُ أَوْ صَاحِبُهُ إنْ جَعَلَهُ لِنَفْسِهِ.
وَكَذَا كُلُّ صَدَقَةٍ فَتَجُوزُ الضَّحِيَّةُ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ عَنْ الْغَيْرِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا إنْ أَوْصَى بِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجِ قَالَ: ضَحَّيْتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ أُضْحِيَّةً وَأَمَّا إهْدَاءُ الْقِرَاءَةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُعْرَفُ لَهُ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ كَابْنِ الفركاح إذْ لَمْ يَفْعَلْهُ صَحَابِيٌّ، وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِدْعَةٌ لِغِنَى النَّبِيِّ