شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٢٣

..............................

---------------------------

﴿وَقَالَ سَعْدُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ﴾ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ عَثْمَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا جَعَلَتْ عَنْ نَفْسِهَا مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ فَأَفْتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَهَا أَنْ يَمْشِيَ عَنْهَا وَقِيلَ: إنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْآيَةِ أَبُو جَهْلٍ؛ وَقِيلَ: عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَقِيلَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: إخْبَارٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ دَلَّ شَرْعُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ سَعْيُهُ وَمَا يُسْعَى لَهُ وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ بِسَعْيِهِ

فِي الْخَيْرِ وَحُسْنِ صُحْبَتِهِ وَعِشْرَتِهِ اكْتَسَبَ الْأَصْحَابَ وَأَسْدَى لَهُمْ الْخَيْرَ وَتَوَدَّدَ إلَيْهِمْ فَصَارَ ثَوَابُهُمْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ سَعْيِهِ، وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ فِي الْآيَةِ الْحَيُّ دُونَ الْمَيِّتِ وَقِيلَ: لَمْ يَنْفِ فِي الْآيَةِ انْتِفَاعَ الرَّجُلِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ لَهُ، وَإِنَّمَا نَفَى مِلْكَهُ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِنْ قُلْتَ أَمَا صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ الصَّدَقَةُ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَجُّ عَنْهُ؟ قُلْتُ فِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ إلَّا مَبْنِيًّا عَلَى سَعْيِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا فَكَانَ سَعْيُ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ سَعْيُ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ وَقَائِمًا لِقِيَامِهِ، وَالثَّانِي أَنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَا يَنْفَعُهُ إذْ عَمِلَهُ لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ إذَا نَوَاهُ لَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ كَالنَّائِبِ عَنْهُ وَالْوَكِيلِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ هَلْ يَصِلُ الْمَيِّتَ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ بِالْمَنْعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ يَصِلُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بَعْدَ أَنْ قَالَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَيِّتَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَةٍ وَصَلَاةٍ وَحَجٍّ وَاعْتِكَافٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إنَّ وُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا تَنْفَعُهُ الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَصِلُهُ ثَوَابُ كُلِّ فِعْلٍ لَهُ،