الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٣٨هُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ بِهَا بِانْتِقَالِهَا عَنْهُ إلَى الْحَاسِدِ
--------------------------
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا مَاتَ أَعْدَاؤُكَ بَلْ خُلِّدُوا حَتَّى يَرَوْا مِنْكَ الَّذِي يُكْمِدُ لَا زِلْتَ مَحْسُودًا عَلَى نِعْمَةٍ فَإِنَّمَا الْكَامِلُ مَنْ يُحْسَدُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ مَا أَطْوَلَ عُمُرَكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُ الْحَسَدَ فَبَقِيتُ، وَالْحَسَدُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْحَاسِدُ وَلَا يَضُرُّ الْمَحْسُودَ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ لِشُرَيْحٍ: إنِّي لَأَحْسُدكَ عَلَى مَا أَرَى مِنْ صَبْرِكَ عَلَى الْخُصُومِ وَوُقُوفِكَ عَلَى غَامِضِ الْحُكْمِ فَقَالَ لَهُ: مَا نَفَعَكَ اللَّهُ بِذَلِكَ وَلَا ضَرَّنِي، وَقَدْ يُرِيدُ الرَّجُلُ بِالْحَسَدِ الْغِبْطَةَ وَالْحَسَدُ (هُوَ
تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ) هِيَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِمَّا حَلَّ وَلَوْ لَمْ تُحْمَدْ عَاقِبَتُهُ فَإِنَّهُ فِي ذَاتِهِ نِعْمَةٌ لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ قَوْمِنَا أَنَّهَا أَمْرٌ مُلَائِمٌ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ، زَاعِمًا أَنَّ مَا أَعْطَاهُ الْكَافِرَ لَا يُسَمَّى نِعْمَةً لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ ثَوَابٍ وَانْتِقَامٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ نِعْمَةٌ لَمْ يَشْكُرْهَا (مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ بِهَا) وَهُوَ الْمَحْسُودُ، وَمِنْ الْحَسَدِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ لَا تَأْتِيَهُ نِعْمَةٌ مَا أَوْ نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ فَالْحَسَدُ يَكُونُ فِي مَوْجُودٍ وَفِي غَيْرِ مَوْجُودٍ.
وَكَذَا إنْ ذَهَبَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ نِعْمَةٍ فَتَمَنَّيْتَ لَوْ لَمْ تَكُنْ فَذَلِكَ حَسَدٌ وَإِنْ كَانَ زَوَالُهَا الَّذِي يَتَمَنَّاهُ يَحْصُلُ (بِانْتِقَالِهَا عَنْهُ إلَى الْحَاسِدِ) إنَّمَا بَالَغَ بِانْتِقَالِهَا إلَى الْحَاسِدِ لِأَنَّ زَوَالَهَا عَنْ الْمَحْسُودِ يَتَبَادَرُ فَنَاؤُهَا مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ انْتِقَالُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يُبَالِغْ بِانْتِقَالِهَا إلَى غَيْرِ الْحَاسِدِ مَعَ أَنَّهُ أَظْهَرُ وَأَوْلَى، لِأَنَّ الْغَالِبَ تَمَنِّي الْحَاسِدِ انْتِقَالَهَا إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ فَغَيَّا بِمُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ وَذَكَرَ الْحَاسِدَ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ، وَلَيْسَ ذِكْرُ الْحَاسِدِ فِي تَعْرِيفِ الْحَسَدِ دَوْرًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذَاتُ الْحَاسِدِ لَا بِاعْتِبَارِ حَسَدِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ مَعِي لَا يَنْبَغِي، وَيُقَالُ أَيْضًا قَوْلُهُ: وَإِنْ بِانْتِقَالِهَا إلَى الْحَاسِدِ خَارِجٌ عَنْ الْحَدِّ وَيُبْحَثُ فِي ذَلِكَ التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ تَمَنِّي زَوَالِهَا عَمَّنْ يَضُرُّ بِهَا الدِّينَ أَوْ يَظْلِمُ بِهَا أَوْ يَعْصِي بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَسَدِ الْمُحَرَّمِ الْمَذْكُورِ،