شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٤٠

.....................................

-----------------------------

لَهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَتَمَنِّيهَا بِلَا إرَادَةِ زَوَالِهَا إلَى آخِرِهِ، فَلَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِكَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَوَجَدْتَ الْإِنْكَارَ لِوُقُوعِهِ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إجْمَاعًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَوْ وَقَعَ بِاخْتِيَارٍ وَإِرَادَةِ زَوَالٍ أَوْ عَدَمِ وُصُولٍ فَإِنْ عَمِلْتَ بِمُقْتَضَاهُ أَوْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي بَعْضِ الْجَوَارِحِ فَحَسَدٌ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ أَصْلًا فَحَسَدٌ اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَتِهِ وَكَوْنِ صَاحِبِهِ مُذْنِبًا، وَمُخْتَارُ الْغَزَالِيِّ حُرْمَتُهُ، وَاخْتَارَ بَعْضٌ غَيْرَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ: ﴿ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ الظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَسَأُحَدِّثُكُمْ مَا الْمَخْرَجُ إلَخْ﴾ -.

رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَحَمَلَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى حُبِّ الطَّبْعِ لِزَوَالِ نِعْمَةِ الْعَدُوِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحَسَدَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِرَادَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْكَرَاهَةِ فَلَا تَجْتَمِعُ مَعَهَا كَمَا لَا يَجْتَمِعُ حُبُّ الطَّبْعِ مَعَ ضِدِّهَا الَّذِي هُوَ النَّفْرَةُ بِخِلَافِ كُلٍّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ كُلٍّ مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ، وَالْأُولَيَانِ اخْتِيَارِيَّتَانِ وَالْأُخْرَيَانِ اضْطِرَارِيَّتَانِ لَا تُوصَفَانِ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَبْغِ مِنْ الْبَغْيِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ الْحَسَدِ فَقَالَ: غَمٌّ لَا يَضُرُّكَ مَا لَمْ تُبْدِهِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَحِلَّهُ مَا إذَا عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ

أَوْ تَعْمَلْ بِهِ} - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَلَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ بِالِاخْتِيَارِ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَلَا ذَنْبَ فِيهِ فَلَا عَفْوَ وَتَجَاوُزَ، وَبِأَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا تُؤْخَذُ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِأُمَّتِي، وَبِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ رَفْعِ أَنْفُسُهَا وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ نَصْبِهَا فَلَا إذْ الرَّفْعُ دَالٌّ عَلَى الِاضْطِرَارِ وَالنَّصْبُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَبِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يُنَافِي ذَلِكَ الْحَمْلَ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ.

فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي كُلَّ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْجَوَارِحِ بِالتَّكَلُّمِ أَوْ بِالْعَمَلِ فَيَدْخُلُ فِي الْعَفْوِ الْهَمُّ