شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٤١

وَهُوَ عَدُوٌّ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى

------------------------------

وَالْعَزْمُ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَيْلِ الطَّبْعِ إذْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَلُّمِ تَكَلُّمُ مَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ كَالْغِيبَةِ وَالْقَدْحِ وَالنَّسَبِ فِي الْحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ.

وَإِنْ قُلْتَ: مُجَرَّدُ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ حَرَامٌ لَا يُعْفَى فَلِمَ لَا يَكُونُ مُجَرَّدَ سُوءِ الظَّنِّ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِهِمَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ كُلًّا فِعْلٌ قَلْبِيٌّ؟ قُلْتُ: الْأَوَّلَانِ قُبْحُهُمَا وَحُرْمَتُهُمَا لِذَاتِهِمَا وَقُبْحُ مَا نَحْنُ فِيهِ لِسَبَبِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ فَإِذَا تَجَرَّدَ عَنْهُ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ وَلَا سِيَّمَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَشْرِيفًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَعَمْ قَصْدُ الْمَعْصِيَةِ وَهَمُّهَا وَلَا سِيَّمَا الْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ قَلَّمَا يُوجَدُ بِدُونِ الْأَثَرِ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يُخْلِيَ الْإِنْسَانُ قَلْبَهُ عَنْ الْعَزَائِمِ الْفَاسِدَةِ وَالصِّفَاتِ الْخَبِيثَةِ وَتَحْلِيَتُهُ بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَاتِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ.

وَأَمَّا الرِّئَاءُ بِطَاعَةٍ أَوْ

دَلِيلُهَا فَلَا يَنْفَكُّ مِنْ عَمَلٍ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّ اجْتِنَابَ بَعْضِ الشُّبُهَاتِ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَرِعٌ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْهَا وَهُوَ عَمَلُهَا، وَالذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ وَالتَّفَكُّرُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، وَكِلَاهُمَا عَمَلٌ بِمُقْتَضَى الرِّئَاءِ وَأَمَّا كَفُّ الْحَسُودِ الْجَوَارِحَ فَلَيْسَ بِعَمَلٍ بِمُقْتَضَى حَسَدِهِ بَلْ عَمَلٌ بِضِدِّ مُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ فَمِنْ قَبِيلِ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ، وَإِنْ تَمَنَّى مِثْلَ تِلْكَ النِّعْمَةِ وَلَمْ يَتَمَنَّ زَوَالَهَا كَأَنْ كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً فَلَا خَيْرَ فِيهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ دِينِيَّةً فَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدْ تَمَنَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النِّعْمَةِ صَلَاحٌ لِصَاحِبِهَا بَلْ فَسَادٌ وَمَعْصِيَةٌ، فَأَرَدْتَ زَوَالَهَا أَوْ عَدَمَ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَذَلِكَ نَاشِئٌ عَنْ غِيرَةِ الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ تَعَالَى مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالْحَاسِدُ (هُوَ عَدُوٌّ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي حَدِيثِ: {إنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ أَعْدَاءً فَقِيلَ: وَمَا ذَلِكَ؟ فَقَالَ: الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا