شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٩١

............................

-----------------------

وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى كَبِيرٍ إلَّا وَيُفَضِّلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَلَا إلَى أَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ إلَّا وَيَقُولُ ذَلِكَ أَوْ يَقُولُ لَعَلَّهُ أَوْرَعُ مِنِّي وَأَحْسَنُ خِصَالًا، وَفِي أَثَرٍ: حَقُّ الْعَبْدِ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ فَإِنْ نَظَرَ إلَى جَاهِلٍ يَقُولُ: هَذَا عَصَى اللَّهَ بِجَهْلٍ وَأَنَا عَصَيْتُهُ بِعِلْمٍ فَلَعَلَّهُ قَرِيبٌ لِلْعُذْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى عَالِمٍ يَقُولُ: هَذَا عَالِمٌ مَا لَمْ أَعْلَمْ فَكَيْفَ أَكُونُ مِثْلَهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ يَقُولُ: إنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ قَبْلِي، وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَصْغَرَ سِنًّا يَقُولُ: إنِّي عَصَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى مُسَاوِيهِ سِنًّا يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِحَالِي وَلَا أَعْلَمُ، وَالْمَعْلُومُ أَوْلَى بِالتَّحْقِيرِ مِنْ الْمَجْهُولِ.

وَإِنْ نَظَرَ إلَى مُبْتَدِعٍ

أَوْ كَافِرٍ يَقُولُ: مَا يُدْرِينِي لَعَلَّهُ يُخْتَمُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَيُخْتَمُ لِي بِمَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ، وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ، وَأَنَا عَصَيْتُهُ فَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لَهُمَا، فَيَكُونُ مَصْرُوفَ الْهَمِّ إلَى نَفْسِهِ مَشْغُولَ الْقَلْبِ بِعَيْبِهِ لِخَوْفِ عَاقِبَتِهِ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَيَبْغُضُ الْمُبْتَدِعَ وَالْعَاصِيَ فِي اللَّهِ وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى فِي اللَّهِ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ حَقًّا وَلَا يَرَى نَفْسَهُ نَاجِيًا، وَمَرَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِصِبْيَانٍ وَفِي رِوَايَةٍ: بِمَسَاكِينَ مَعَهُمْ كِسَرُ خُبْزٍ قَدْ نَشَرُوهُ فِي ثَوْبِ أَحَدِهِمْ فَاسْتَضَافُوهُ أَدَبًا مِنْهُمْ فَنَزَلَ وَأَكَلَ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ ذَا جَاهٍ وَحُشُومَةٍ تَوَاضُعًا وَلِخَبَرِ: مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ، وَلَوْ إلَى كُرَاعٍ ثُمَّ حَمَلَهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَطْعَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي فَاتَّبَعُوهُ إلَى دَارِهِ فَأَكْرَمَهُمْ وَقَالَ: الْيَدُ لَهُمْ أَيْ النِّعْمَةُ حَيْثُ أَحْسَنُوا أَوَّلًا وَبَذَلُوا مَا أَمْكَنَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ مَا أَطْعَمُونِي وَنَحْنُ نَجِدُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَالْعَفْوُ التَّجَاوُزُ عَنْ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ الْمَحْوُ كَمَا تَقُولُ: عَفَتْ الرِّيحُ الْأَثَرَ وَمَعْنَى كَوْنِ الصَّدَقَةِ تَزِيدُ الْمَالَ كَثْرَةً أَنَّهَا سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَهِيَ أَيْضًا حِرْزٌ لَهُ عَنْ ضَيَاعِهِ فَهُوَ يَبْقَى وَتَنْزِلُ فِيهِ الْبَرَكَةُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ، وَإِنْ