شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٢٤

.........................

-------------------------------

إلَّا الْمَاءُ} وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنْ النَّارِ﴾ وَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا بِمَاءٍ فَاسْتَنْشَقَ وَقَالَ: إنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَهَذَا يُذْهِبُ الْغَضَبَ.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ مِنْ الْفَسَادِ تَغَيُّرُ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَارْتِعَادُ أَطْرَافِهِ وَخُرُوجُ أَفْعَالٍ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَاضْطِرَابُ حَرَكَتِهِ وَكَلَامِهِ وَتَزَبُّدُ أَشْدَاقِهِ وَاعْوِجَاجُ أَعْضَائِهِ وَاسْتِحَالَةُ خَلْقِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى نَفْسَهُ لَسَكَنَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَلَوْ كُشِفَ لَهُ عَنْ بَاطِنِهِ لَرَآهُ أَقْبَحَ مِنْ ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ عِنْوَانُهُ النَّاشِئُ عَنْهُ وَيَنْطِقُ لِسَانُهُ بِالشَّتْمِ وَالْقَبِيحِ مِمَّا يَسْتَحِي مِنْهُ لَوْ زَالَ غَضَبُهُ وَيَبْطِشُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ غَضَبُهُ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَهُ وَيَلْطِمُ وَجْهَهُ وَيَضْرِبُ يَدَهُ بِالْأَرْضِ وَالصِّغَارِ وَالدَّوَابِّ وَيَعْدُو كَالْوَلْهَانِ وَالْمَجْنُونِ وَيَثِبُ مِنْ مَجْلِسِهِ كَالنَّمِرِ وَيَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا كَالْقِرْدِ بِسُرْعَةٍ وَلَا يَفْهَمُ مَا يُلْقَى إلَيْهِ كَالْبَهِيمَةِ وَلَا يُنْصِتُ إلَى مَنْ يَعِظُهُ كَأَنَّهُ أَحْمَقُ وَرُبَّمَا قَوِيَتْ عَلَيْهِ نَارُ الْغَضَبِ فَأَطْفَأَتْ بَعْضَ حَرَارَتِهِ الْغَرِيزِيَّةِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْدَمَتْهَا كُلَّهَا مَاتَ لِوَقْتِهِ.

وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَلَامٌ مَعَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ فَعَجَّلَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَقَالَ: يَا مَنْ يَلْحَقُ أُمَّهُ فَفَتَحَ فَاهُ لِيُجِيبَهُ فَأَمْسَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى فِيهِ وَرَدَّ كَلَامَهُ، وَقَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخُوكَ وَإِمَامُكَ، فَقَالَ: قَتَلْتنِي يَا أَبَا حَفْصٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعْتُ بِكَ؟ فَقَالَ: رَدَدْتَ فِي جَوْفِي أَحَرَّ مِنْ الْجَمْرِ، فَمَالَ لِجَنْبِهِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَإِنَّ الْغَضَبَ إمَّا بِإِفْرَاطٍ أَوْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِاعْتِدَالٍ فَهَذَا الَّذِي يَصِلُ بِهِ الْمَوْتَ أَوْ يَكَادُ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ سِيَاسَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ هُوَ الَّذِي بِإِفْرَاطٍ، وَرُبَّمَا زَادَهُ الْوَعْظُ غَمًّا فَإِنْ رَاجَعَ نَفْسَهُ لَمْ يَنْطَفِئْ نُورُ عَقْلِهِ بِدُخَانِ الْغَضَبِ فَإِنَّ مَعْدِنَ الْفِكْرِ الدِّمَاغُ وَيَتَصَاعَدُ عِنْدَ شِدَّةِ الْغَضَبِ مِنْ غَلَيَانِ دَمِ

الْقَلْبِ دُخَانٌ مُظْلِمٌ