الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٤..........................................................
----------------------
قَالَ: " الَّذِي يُقَدِّمُ حَقَّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْمَخْلُوقِ " أَيْ حَقِّ نَفْسِهِ وَمَعْنَى نُصْحِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعُهُ.
كَمَا رَوَى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا تُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مِنْ تَعْظِيمِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا مَا انْتَخَمَ نُخَامَةً إلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا
أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ اقْتَتَلُوا عَلَى وُضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ وَلَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ.
وَالنُّصْحُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعِينَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِالْعِلْمِ وَتَجْوِيدِ الرَّأْيِ وَفِي الدُّنْيَا، وَالْإِمَامُ أَعَمُّ مِنْ الْخَلِيفَةِ، كُلُّ خَلِيفَةٍ إمَامٌ وَلَا عَكْسَ، وَالْإِمَامُ الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَامَةُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ إمَامَةُ وَحْيٍ وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَإِمَامَةُ وِرَاثَةٍ وَهِيَ الْعِلْمُ وَإِمَامَةُ عِبَادَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَإِمَامَةُ مَصْلَحَةٍ وَهِيَ الْخِلَافَةُ.
وَالنُّصْحُ لِلْعُلَمَاءِ قَبُولُ رِوَايَتِهِمْ وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِمْ وَنَشْرُ مَنَاقِبِهِمْ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ فَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَإِذَا اسْتَخَفُّوا فَسَدَ دِينُهُمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَنُصْحُ الْعَامَّةِ إرْشَادُهُمْ لِدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ إذَا رَأَيْتَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ فَعَلِّمْهُ وَكَذَا الْوُضُوءَ وَغَيْرَهُ هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَقِيلَ لَا يَجِبُ ذَلِكَ وَنُسِبَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَالنُّصْحُ بِرِفْقٍ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ أَحَدًا مَهَّدَ لَهُ بِسَاطًا قَبْلَ النُّصْحِ وَيَرَى نَفْسَهُ دُونَ الْمَنْصُوحِ وَيُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَى تَحَمُّلِ الْأَذَى الْحَاصِلِ مِنْ جِهَةِ النُّصْحِ فِي الْعَدَاوَةِ.
وَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى شَخْصٍ يُفْسِدُ وُضُوءَهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ تَعَالَ نُرْشِدُ هَذَا الشَّيْخَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَا شَيْخُ نُرِيدُ أَنْ نَتَوَضَّأَ بَيْنَ يَدَيْكَ حَتَّى تَنْظُرَ إلَيْنَا وَتَعْلَمَ مِنْ يُحْسِنُ مِنَّا الْوُضُوءَ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ فَفَعَلَا وَلَمَّا فَرَغَا مِنْ وُضُوئِهِمَا قَالَ أَنَا وَاَللَّهِ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَأَمَّا أَنْتُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا يُحْسِنُ وُضُوءَهُ فَانْتَفَعَ بِذَلِكَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ