شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٦

................................................

--------------------------------

لِضِرَارِ بْنِ الْقَعْقَاعِ.

وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَعْدَى عَدُوُّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ ثُمَّ أَهْلُكَ ثُمَّ عِيَالُكَ﴾ فَهِيَ أَضُرُّ أَعْدَاءِ الْإِنْسَانِ وَبَلَاؤُهَا أَشَدُّ بَلَاءً فَحَقِيقٌ عَلَيْهِ مُجَانَبَةُ شَهَوَاتِهَا وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِهَا فِي جَمِيعِ حَالَاتِهَا لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِهَا ذَرِيعَةٌ إلَى تَحْكِيمِهَا وَتَحْكِيمُهَا دَاعٍ إلَى سُلْطَانِهَا وَفَسَادِ الْأَخْلَاقِ بِهَا، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَنْ سَادَ نَفْسَهُ سَادَ نَاسَهُ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ﴾.

وَاعْلَمْ أَنَّ دَوَاءَ النَّفْسِ أَشْكَلُ الدَّوَاءِ لِأَنَّهَا عَدُوٌّ مِنْ دَاخِلٍ وَالْعَدُوُّ مِنْ دَاخِلٍ تَصْعُبُ حِيلَتُهُ وَلِأَنَّهَا عَدُوٌّ مَحْبُوبٌ وَالْإِنْسَانُ أَعْمَى عَنْ عُيُوبِ مَحْبُوبِهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ﴾ قَالَ وَعَيْنُ الرِّضَى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ الْبَيْتَ وَلِذَلِكَ يَسْتَحْسِنُ الْإِنْسَانُ عُيُوبَ نَفْسِهِ فَيُوشِكُ أَنْ تُهْلِكَهُ إلَّا إنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَكَانَتْ أَشَدَّ الْأَعْدَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ الْخُلُوصَ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ لِأَنَّهَا مَطِيَّتُهُ عُمْرَهُ وَلَا تُوَافِقُ عَلَى الْخَيْرِ لِأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى الشَّهَاوَى فَلْيَقْهَرْهَا بِالصَّوْمِ وَبِثِقَلِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ الصَّعْبَةَ تَتَذَلَّلُ بِقِلَّةِ الْعَلَفِ

وَثِقَلِ الْحَمْلِ وَيَقْهَرُهَا بِالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ لَا تَفْعَلْ مَا يَجْلِبُ الْغَضَبَ بَلْ مَا يَنْفِيهِ كَالْحِلْمِ وَالسَّخَاءِ وَالْحَيَاءِ أَوْ لَا تَفْعَلْ مُقْتَضَى الْغَضَبِ بَلْ جَاهِدْ نَفْسَكَ عَلَى إطْفَائِهِ وَإِلَّا فَالْغَضَبُ مَطْبُوعٌ لَا مَكْسُوبٌ وَكَرَّرَ لَهُ الْجَوَابَ بِذَلِكَ إذْ تَكَرَّرَ السُّؤَالُ لِعِظَمِ هَلَاكِ الْغَضَبِ وَنَفْعِ تَرْكِهِ وَكَأَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْغَضَبِ أَوْ مَعْنَى وَلَكَ الْجَنَّةُ تَنْتَفِعُ بِأَعْمَالِكَ قِيلَ وَالْغَضَبُ يَتَحَرَّكُ مِنْ دَاخِلِ الْجَسَدِ إلَى خَارِجِهِ وَالْحُزْنُ يَتَحَرَّكُ مِنْ خَارِجِهِ إلَى دَاخِلِهِ وَلِذَلِكَ يَقْتُلُ الْحُزْنُ وَلَا يَقْتُلُ