الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٨...................................................
----------------------------------
بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ} " وَقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ إنَّ فُلَانًا نَالَ مِنْكَ فَقَالَ الْمَوْتُ يَعُمُّنَا وَالْحَشْرُ يَضُمُّنَا وَالْقِيَامَةُ تَجْمَعُنَا وَالرَّبُّ يَقْضِي بَيْنَنَا وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الْآيَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ مَا هَذَا؟.
قَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ ثُمَّ عَادَ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ قُلْتُ: هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَفْسِيرٌ لِأَخْذِ
الْعَفْوِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْجَاهِلِينَ لِأَنَّهُمَا أَصْعَبُ عَمَلًا وَأَخْفَى مَعْنًى وَالسُّؤَالُ فِي شَأْنِهِمَا وَيُرْوَى أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ جِبْرِيلُ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَيْتُكَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أَيْ حِلْمًا قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ عِلْمًا قَالَهُ عَطَاءٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أَيْ صَفَحُوا قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَيَبْعَثُ النَّاسَ عَلَى الْحِلْمِ عَشَرَةٌ: الْأَوَّلُ رَحْمَةُ الْجَاهِلِ كَمَا سَمِعْتَ آنِفًا وَالثَّانِي الْقُدْرَةُ عَلَى الِانْتِصَارِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلْ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْرًا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ﴾ وَذَلِكَ مِنْ سَعَةِ الصَّدْرِ.
قَسَمَ مُعَاوِيَةُ قِطْفًا فَأَعْطَى شَيْخًا مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ قَطِيفَةً فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنِّ بِهَا رَأْسَ مُعَاوِيَةَ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ وَلْيُرْفِقْ الشَّيْخُ بِالشَّيْخِ وَالثَّالِثُ التَّرَفُّعُ عَنْ السِّبَابِ وَذَلِكَ مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ قَالَ الْحُكَمَاءُ شَرَفُ النَّفْسِ أَنْ تَحْتَمِلَ الْمَكَارِهَ كَمَا تَحْتَمِلُ الْمَكَارِمَ.
وَالرَّابِعُ الِاسْتِهَانَةُ بِالسَّابِّ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ فَلْيُجْتَنَبْ الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ وُلِّيَ الْعِرَاقَ وَجَلَسَ يَوْمًا لِعَطَاءِ الْجُنْدِ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى أَيْنَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَاهُ الزُّبَيْرَ فَقِيلَ لَهُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ بَاعَدَ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ أَوَظَنَّ الْجَاهِلُ أَنِّي أُقَيِّدُهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَلْيَظْهَرْ آمِنًا وَلْيَأْخُذْ عَطَاءَهُ مُوفَرًا فَعَدَّ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ مُسْتَحْسَنِ الْكِبْرِ قَالَ الشَّاعِرُ أَوْ كُلَّمَا طَنَّ الذُّبَابُ طَرَدْتَهُ إنَّ الذُّبَابَ إذَنْ عَلَيَّ كَرِيمُ