الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٢٩...........................................
----------------------
إلَّا حُبًّا وَلَوْ كَانُوا فُجَّارًا، وَيَأْبَى لِلْبُخَلَاءِ إلَّا بُغْضًا وَلَوْ كَانُوا أَبْرَارًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ أَبْخَلُ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بِعِرْضِهِ، وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ لَقِيَ إبْلِيسَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: يَا إبْلِيسُ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ النَّاسِ إلَيْكَ وَأَبْغَضِهِمْ عِنْدَكَ، فَقَالَ: أَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ الْمُؤْمِنُ الْبَخِيلُ وَأَبْغَضُهُمْ الْفَاسِقُ
السَّخِيُّ.
قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْبَخِيلَ قَدْ كَفَانِي بُخْلُهُ، وَالْفَاسِقُ السَّخِيُّ أَخَافُ أَنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي مَنِّ سَخَائِهِ أَيْ يَرْحَمَهُ بِسَخَائِهِ وَيَتُوبَ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ، ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكَ يَحْيَى مَا أَخْبَرْتُكَ وَيُقَالُ: ضَيْفُ الْبَخِيلِ آمِنٌ مِنْ التِّخَةِ وَقِيلَ لِامْرَأَةٍ: مَا الْجُرْحُ الَّذِي لَا يَنْدَمِلُ؟ قَالَتْ: حَاجَةُ الْكَرِيمِ إلَى اللَّئِيمِ يَرُدُّهُ، قِيلَ لَهَا: فَمَا الذُّلُّ قَالَتْ: وُقُوفُ الشَّرِيفِ إلَى بَابِ الدَّنِيءِ ثُمَّ لَا يُؤْذِنُ لَهُ قِيلَ لَهَا: فَمَا الشَّرَفُ؟ قَالَتْ اتِّخَاذُ الْمِنَنِ فِي رِقَابِ الرِّجَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخْلَ ذَرِيعَةٌ إلَى كُلِّ مَذَمَّةٍ وَقَدْ يَحْدُثُ لِلْمَرْءِ بِسَبَبِهِ أَرْبَعَةُ أَخْلَاقٍ نَاهِيكَ بِهَا ذَمًّا: الْحِرْصُ، وَالشَّرَهُ، وَسُوءُ الظَّنِّ وَمَنْعُ الْحُقُوقِ؛ فَالْحِرْصُ شِدَّةُ الْكَدْحِ وَالْإِسْرَافُ فِي الطَّلَبِ وَالشَّرَهُ اسْتِقْلَالُ الْكِفَايَةِ وَالِاسْتِكْثَارُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ لَا يُجْدِيهِ مِنْ الْعَيْشِ مَا يَكْفِيهِ لَمْ يَجِدْ مَا عَاشَ مَا يُغْنِيهِ﴾ قَالَ حَكِيمٌ: الشَّرَهُ مِنْ عَزَائِمِ اللَّوْمِ وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ فَهُوَ عَدَمُ الثِّقَةِ بِمَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ فَإِنْ كَانَ بِالْخَالِقِ كَانَ شَكًّا يَئُولُ إلَى الضَّلَالِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَخْلُوقِ كَانَ اسْتِخَانَةً يَصِيرُ بِهَا خَوَّانًا مُخْتَانًا لِأَنَّ ظَنَّ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا خَيْرًا ظَنَّهُ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ رَأَى سُوءًا اعْتَقَدَهُ فِي النَّاسِ.