الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٣٠..................................................
-------------------------
وَفِي الْمَثَلِ: كُلُّ إنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ مِنْ الْحَزْمِ ظَنُّ السُّوءِ بِالنَّاسِ تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِرْسَالِ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا مَنْعُ الْحُقُوقِ فَإِنَّ نَفْسَ الْبَخِيلِ لَا تَسْمَحُ بِفِرَاقِ مَحْبُوبِهَا وَمَحْبُوبُ الْبَخِيلِ الْمَالُ فَإِنَّ سَبَبَ الْبُخْلِ حُبُّ الْمَالِ، وَلِحُبِّهِ سَبَبَانِ، الْأَوَّلُ حُبُّ الشَّهَوَاتِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِالْمَالِ مَعَ
طُولِ الْأَمَلِ، فَإِنْ قَصَرَ أَمَلُهُ وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ قَامُوا فِي قَلْبِهِ مَقَامَ طُولِ الْأَمَلِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ ﴿الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ﴾ فَإِنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ خَوْفُ الْفَقْرِ وَقِلَّةُ الثِّقَةِ بِضَمَانِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ قَوِيَ الْبُخْلُ لَا مَحَالَةَ، الثَّانِي: أَنْ يُحِبَّ عَيْنَ الْمَالِ وَيَعْشَقَهُ وَيَتَلَذَّذَ بِكَنْزِهِ وَقَدْ لَا تَدْعُهُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ أَنْ يُدَاوِيَ مَرَضَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُزَكِّيَ وَلَوْ كَانَ يَتْرُكُ بَعْدَهُ أُلُوفًا وَلَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا أَوْلَادَ لَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مَالَهُ بَعْدَهُ يَضِيعُ وَتَأْخُذُهُ أَعْدَاؤُهُ، فَعِلَاجُ حُبِّ الشَّهَوَاتِ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ وَالصَّبْرِ، وَعِلَاجُ الْأَمَلِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَعِلَاجُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْوَلَدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُتَكَفِّلَ بِهِمْ اللَّهُ، وَكَمْ وَلَدٍ غَنِيٍّ وَأَبُوهُ فَقِيرٌ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَلَدُهُ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَأَنْ يَتَفَكَّرَ فِي شُؤْمِ الْبُخْلِ كَقِصَّةِ ثَعْلَبَةَ.
وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي هِمْيَانِ الزَّادِ إلَى دَارِ الْمَعَادِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ وَأَنْ يَتَفَكَّرَ فِي الْمَقْصُودِ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ التَّعَفُّفُ بِهِ وَادِّخَارُهُ لِلْآخِرَةِ، وَفِي نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْ الْبُخَلَاءِ وَيَتَكَلَّفُ الْعَطَاءَ وَلَوْ يَسِيرًا بِتَدْرِيجٍ، وَيَتَكَلَّفُ مُفَارَقَةَ الْمَالِ مَعَ الْجَهْدِ حَتَّى يُمِيتَ مِنْ نَفْسِهِ صِفَةَ الْبُخْلِ كَمَا أَنَّ الْعَاشِقَ يَتَكَلَّفُ زَوَالَ الْعِشْقِ بِالسَّفَرِ عَنْ الْمَعْشُوقِ قَالَ وَهْبٌ: مَنْ تَخَلَّقَ بِخُلُقٍ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ طَبِيعَتَهُ، وَمَنْ عَرَفَ آفَةَ الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا قَدْرَ حَاجَتِهِ وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِكَسْبِ الزَّائِدِ أَوْ إمْسَاكِهِ فَيَكُونُ كَمَنْ عَلَى نَهْرٍ لَا يَبْخَلُ بِالْمَاءِ لِقَنَاعَتِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَحُمِلَ إلَى مَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ قَدَحٌ مِنْ