شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٣٥

وَنِسْيَانُ الْآخِرَةِ وَهُوَ تَرْكُ مَا يُوصِلُ لِخَيْرِهَا كُفْرٌ

-------------------------

فِي الْحَدِيثِ " ﴿ثَلَاثٌ إذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِإِحْدَاهُنَّ أَنَّهَا تَخْرُجُ أَوَّلًا وَأَنَّهُ مَهْمَا خَرَجَ أَوَّلًا مِنْهُنَّ لَمْ تُقْبَلْ التَّوْبَةُ طُلُوعُ الشَّمْسِ أَوْ الدَّابَّةِ أَوْ الدَّجَّالِ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إلَّا نَدِمَ قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مُحْسِنًا أَنْ لَا يَكُونَ زَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ﴾ أَيْ تَابَ وَأَصْلَحَ شَأْنَهُ.

(وَنِسْيَانُ الْآخِرَةِ) مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: كُفْرٌ (وَهُوَ تَرْكُ مَا يُوصِلُ) فَاعِلَهُ (لِخَيْرِهَا) أَيْ إلَى خَيْرِهَا (كُفْرٌ) أَيْ نِفَاقٌ أَوْ شِرْكٌ بِحَسَبِهِ فَنِسْيَانُ التَّوْحِيدِ أَيْ تَرْكُهُ شِرْكٌ وَنِسْيَانُ مَا دُونَهُ مِنْ الْفُرُوضِ نِفَاقٌ إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ، وَقِيلَ: حَتَّى لَا يُدْرِكَهُ وَالْمُرَادُ بِالنِّسْيَانِ هُنَا التَّرْكُ عَمْدًا وَلَكِنَّ الْجَهْلَ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْعِلْمِ عَمْدٌ إلَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ فُرُوضٍ لَا يُكْفَرُ بِتَرْكِهَا أَوْ مُحَرَّمٍ لَا يُكْفَرُ بِفِعْلِهِ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي مَجَالِهِ فَتَرْكُهُ أَوْ فِعْلُهُ غَيْرُ كُفْرٍ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَ مِنْ النِّسْيَانِ الَّذِي يُكْفَرُ بِهِ عِنْدَهُمْ فَتَرْكُ الْوِتْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِهِ وَتَرْكُ الِاسْتِئْذَانِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَالْجِمَاعُ فِي الْحَيْضِ.

مَعَاصٍ لَا يُحْكَمُ عِنْدَهُمْ بِالْكُفْرِ عَلَى فَاعِلِهَا فَلَا يُطْلَقُ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّهَا نِسْيَانُ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ نِسْيَانَ الْآخِرَةِ عِنْدَهُمْ يُطْلَقُ حَيْثُ الْكُفْرُ، وَالسَّبَبُ فِي نِسْيَانِ الْآخِرَةِ فِي الْغَالِبِ طُولُ الْأَمَلِ فِي الدُّنْيَا وَلَمَّا كَانَ الْأَمَلُ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي عِمَارَةِ الدُّنْيَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ غَفْلَتِهَا وَخَرَابِهَا وَقِلَّةِ الِاعْتِدَادِ بِهَا لِأَنَّ طُولَ الْأَمَلِ هُوَ الْعَائِقُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَالْجَالِبُ لِكُلِّ شَرٍّ