شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٤٧

..................................................................

------------------------------

الْقُصْوَى وَالرَّبُّ تَعَالَى جَعَلَ حُطُوطَ النِّسْيَانِ عَنْهُمْ مَثَابَةً لَهُمْ حِينَ آمَنُوا كُلُّهُمْ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ قَوْلُهُمْ: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فَرَغِبُوا فِي الْمَغْفِرَةِ فَبَشَّرَهُمْ أَنَّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فَلَمَّا خَفَّفَ عَنْهُمْ سَأَلُوهُ تَرْكَ النِّسْيَانِ فَقَالُوا: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فَمَا بَالُ الشِّدَّةِ فِي أَوَّلِ مَوْهِبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ؟ وَجُلُّ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ يَذْهَبُونَ فِي هَذَا الْخَطَأِ إلَى الْعَمْدِ يَقُولُونَ: إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا تَرَكْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا.

وَقَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِلْخِضْرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ فَأَوْجَبَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخِضْرِ لَوْ فَعَلَ إرْهَاقُ عُسْرٍ وَلَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَعْذِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرٍ نَسَوْهُ إحَالَةَ الذَّنْبِ

عَلَى الشَّيْطَانِ، فَمَنْ نَابَهُ أَمْرٌ نَسِيَهُ أَحَالَهُ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاذِرًا لَهُ: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ عَلَى عَمَلِ الْمَعْصِيَةِ ا هـ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ النِّسْيَانُ كَمَا قَالَ أَمْرٌ غَالِبٌ ضَرُورِيٌّ فَالتَّكْلِيفُ عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الصَّائِمِ النَّاسِي حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ: ﴿إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ﴾ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عُذِرَ فِيهِ النَّاسِي كَجِمَاعِ الْحُيَّضِ نِسْيَانًا قَالَ مُعَارَضَةً: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ عَلَى مَذْهَبِكَ فِي النِّسْيَانِ: إنَّهُ يُسَوَّغُ نِسْيَانُ الرَّبِّ تَعَالَى وَنِسْيَانُ آيَاتِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَمًّا لَهُمْ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النِّسْيَانُ مِنْ أَفْعَالِهِ لَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِ النِّسْيَانِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ.

اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَ الثَّلَاثَ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهَا أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْعَمْدَ وَإِنَّمَا