الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٤٨.................................................
---------------------
كَلَامُنَا عَلَى مَا نَسِيَهُ الْوَاحِدُ مِنَّا طَبْعًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ أَنْ يَنْسَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَلَمْ يَسْتَقِمْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهُ أَنْ يَنْسَاهُ لَكِنْ عَمْدًا لَا ذُهُولًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَصَرَّفُ بَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكَادُ يَرَى شَيْئًا إلَّا تَذَكَّرَهُ، وَحَصَلَتْ عِنْدَهُ مَعْرِفَتُهُ بِهِ تَعَالَى كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ مِنْ مَضْرُوبٍ بِالسِّيَاطِ أَنْ يَنْسَى أَلَمَ الضَّرْبِ وَهُوَ يَتَوَالَى عَلَى ظَهْرِهِ وَكَذَلِكَ آيَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا عَلِمَ الْخَلْقُ الْبَلْوَى بِهَا أَيْنَ مَا تَصَرَّفُوا وَالْحَاجَةُ الْمَاسَّةُ الَّتِي لَا تُفَارِقُهُمْ بِعُذْرِ نِسْيَانِهِ عَلَى أَنَّهُ ذَمَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاعِلَ ذَلِكَ قَالَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
وَيُسْأَلُ مَنْ
ضَيَّقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ عَنْ سُؤَالَاتٍ ثَلَاثٍ: أَوَّلُهَا - مَا الْبُرْهَانُ عَلَى مَا قَالَهُ؟ وَلَنْ يَجِدَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ الْعَقْلِ، وَالثَّانِي - الْأَحْكَامُ أَنَّ التَّشْرِيكَ وَالتَّكْفِيرَ وَالْقَتْلَ وَالسَّبْيَ وَالْغَنِيمَةَ لَا سِيَّمَا فِي أَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَأَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى حَطِّهِ فَإِنْ يُمْكِنُ فَشَاذٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدًا فَبِخِلَافِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالرَّأْيُ وَالْعَقْلُ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَدْ أَشَرْنَا إلَى مَا فِيهِ الْمَعْذِرَةُ لِلنَّاسِ، وَالسُّنَّةُ كَذَلِكَ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَأْخُذُ عَبْدَهُ بِالضَّرُورِيَّاتِ، وَالنِّسْيَانُ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ﴾ فَإِنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا وَسَّعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشِّدَّةِ فِي أَمْرٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَوَسَّعَ الْجَمِيعُ فِيهِ بِالشِّدَّةِ فَيُعَامِلُكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الشِّدَّةِ، وَلَكَ عِنْدَهُ مَنْدُوحَةٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَسْأَلُ عَبْدَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ وَسَّعَ وَمَنْ حَظَّرَ، أَمَّا مَنْ وَسَّعَ فَقَدْ أَشَرْنَا إلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ فَالِاخْتِبَارُ بِيَدِهِ فَلْيَنْظُرْ حُجَّتَهُ مَا دَامَ حَيًّا فَهُوَ الْحَزْمُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلْيَقْطَعْ عَنْهَا وَلْيُعَامِلْ الْكَرِيمَ بِالْكَرَمِ وَلَا يُعَامِلُهُ بِاللُّؤْمِ.