الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٥٠.......................................
----------------
النَّفَلَ أَوْ اسْتَغْرَقَ فِي الْعِبَادَةِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ زَادَ وِلَايَةً، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّاهُ بِالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ، وَمَعْنَى آذَنْتُهُ بِحَرْبٍ: أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ أَقْهَرُهُ وَأَنْتَقِمُ مِنْهُ فَلَا يَفْلَحُ أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَدْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمِي وَفِي أُخْرَى: فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَاهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ عَادَى رَجُلًا مِنْ أَجْلِ وِلَايَتِهِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ لَا مُطْلَقًا، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مُغَافَرَةٌ تَقَعُ بَيْنَ وَلِيَّيْنِ أَوْ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي حُكُومَةٍ أَوْ خُصُومَةٍ كَمَا وَقَعَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْضُ خِصَامٍ، ثُمَّ زَالَ.
وَجَمِيعُ الْمَعَاصِي مُحَارَبَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ لَكَ بِمُحَارَبَةِ اللَّهِ مِنْ طَاقَةٍ؟ وَكُلَّمَا كَانَ الذَّنْبُ أَقْبَحَ كَانَ أَشَدَّ مُحَارَبَةٍ فَسُمِّيَ أَكَلَةُ الرِّبَا وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لِعِظَمِ فَسَادِهِمْ، وَسَوَاءٌ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرْضَ الْعَيْنِ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ لَنْ تُدْرِكَ مَا عِنْدِي إلَّا بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُرِيدُ بَابًا مِنْ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لَا يَدْخُلهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدُهُ﴾ وَذَكَرَ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ إذْ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فَكَانَ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَأَشَدَّ تَقْرِيبًا.
وَرُوِيَ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ يَعْدِلُ ثَوَابَ النَّفْلِ سَبْعِينَ دَرَجَةً، وَأَضَافَ الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ تَشْرِيفًا، وَرُوِيَ: يَتَحَبَّبُ، بَدَلُ يَتَقَرَّبُ، وَرُوِيَ: يَنْتَقِلُ، وَأَطْلَقَ النَّفَلَ فَعَمَّ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَةَ
كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ: ﴿مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمِثْلِ كَلَامِهِ﴾ وَقَالَ عُثْمَانُ: لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعْتُمْ مِنْ كَلَامِ رَبِّكُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ لِبَعْضِ الْمُرِيدِينَ: أَتَحْفَظُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: وَاغَوْثَاهُ بِاَللَّهِ، مُرِيدٌ لَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ فَبِمَ يَتَنَعَّمُ، وَبِمَ يَتَرَنَّمُ وَبِمَ يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟، وَكَالذِّكْرِ قَالَ مُعَاذٌ: قُلْتُ أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ