غاية المطلوب في الأثر المنسوب لعامر المالكي محققا
الجزء ٢ · صفحة ٣٣١لما هرب ابن عباس من البصرة بلغ ذلك علي بن أبي طالب، فكتب إليه: أما بعد، فإني كنت قد أشتركت في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي أثق به منك في نفسي لمواساتي وموازرتي، وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو قد خرب، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأمة قد قتكت وسعرت، وقلت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته فيمن خانه من الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا أمانة الله أديت، كأنك لم تكن بجهادك تريد الله، لم تكن على بينة من أمر ربك، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عن دينهم، وتبوء عرتهم عرفتهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانتك الأمانة؛ أسرعت الغدرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل، فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر غير متأثم منها، كأنك لا أبا لغيرك، إنما خرجت إلى أهلك برأي من أبيك وأمك، سبحان الله العظيم، أو ما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف الحساب، أو ما يعظم عليك أن تأكل حراما من أموال الأرامل واليتامى، وتشرب حراما، اتق الله، وأدي إلى القوم أموالهم التي أفاء الله عليهم، فإنك إن لم تفعل وأمكنني الله منك؛ لأعذرن إلى الله فيك، والله، لو كان الحسن والحسين فعلا الذي فعلت ما كان لهما عندي هوادة، ولا طريق عندي في رخصة، إنّ الله لا يحب الظالمين، والسلام، فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من مال البصرة، ولعمري، إنّ نصيبي فيه لأكثر مما أخذت، ولعمري، لئن ألقى الله بما في الأرض من ذهب وفضة أحب إلي أن ألقاه بدم رجل مسلم، والسلام.