فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ٥١ولا في الآخرة، وهو يدرك الأبصار، لأنّ الأبصار لا تحيط إلاّ بشيء مصوّر محدود حائل زائل منتقل في حيّز إلى حيّز، ولا يوقع النظر إلاّ على صورة كاملة، أو على بعضها، فإن قال نظرت إليه كلّه، فقد حدّه وجعل له نهاية، وإن قال: نظرت إلى البعض منه فقد جزّأه وبعّضه، /139/ والله لا يُجزّء ولا يبعّض والمنظور إليه أيضا لا يكون إلاّ حالا فوق شيء، والله تعالى لم يزل ولا مكان وهو خالق المكان فلمّا خلق المكان لم يزل غنيا عن المكان لأنّ المكان محدث مخلوق، وكلّ محدث مخلوق يزول بمرور الأزمان، والله تعالى حيّ قيّوم ولا مكان إنّما يحتاج إليه المكان الضعيف، والله تعالى ذو المُلْك والسلطان، والعظمة والكبرياء، والشأن لا يحتاج إلى المكان فيكون الذي حلّ فيه أقوى منه والذي فوقه يكون أعلا منه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، بل هو الذي لا تدركه الأبصار في الدنيا والآخرة، كما أنّه عزيز حكيم في الدنيا والآخرة، وله الكبرياء في السماوات والأرض، المتكبّر على الحقيقة في الدنيا والآخرة، لم يزل عزيزا متكبّرا سبحانه، ولو أردنا الإكثار لطال به الكتاب، وكتابنا هذا لا يحتمل الإطالة، وأقلّ من هذا يكفي لمن فهم العربية، لأنّ أكثر الناس تضلّ من قبَل العربية واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة﴾ الأوّل من النضارة والحسن والبهاء والإشراق في وجوههم ببشراهم بجنّة الخلد والنعيم الدائم، الذي لا يزول، والآخر إلى رحمة ربّها منتظرة، وهذا في كلام العربية كثير ولا يجوز على ذلك إلاّ هذا، ونظير ذلك، ﴿وجاء ربّك والملَك صفّا صفّا﴾؟ لا يمكن ذلك في العقول أبدا، بل جاء الله بالغيث معناه أتى الله الغيث وأشباه هذا كثير في كلام العرب، إنّما يعرف الله بما عرّف به نفسه، من غير رؤية ويوصف بما وصف به نفسه من غير رؤية. ولا يدرك ربّنا بالحواس، ولا يقاس بالناس.