كتاب الحج الأول لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٣ثم إنني رجعت منذ عام ونصف تقريباً إلى شيخنا الدكتور باجو بفكرة سدّ الثغرة التي أدخلها الإهمال على المدونة، ألا وهي سقوط كتاب الحج منها برمته سوى مسألتين أو مسائل معدودة، وقلت له: من الخلل البيّن أن يظهر عمل تحقيقي مكتمل للمدونة لا يحوي باباً من أهم أبواب الفقه، مارسه أئمتنا علماً وعملاً، حتى روي عن الإمام جابر بن زيد أنه حج أربعين حجة، منها أربع وعشرون حجة على ناقة واحدة، فمن هذا التجمع أقام أئمتنا المجتمع الإسلامي الذي ينشدونه، ومن على منابره دعوا الأمة إلى الوحدة والإتلاف، وفي ساحاته خفقت بنود الحق مزهقة أرواح الباطل وممزقة ألويته، فكيف بعد ذلك يختفي أثر ذلك الجهاد، وتنطمس معالم ذلك الاجتهاد، فاقترحت عليه أن أجمع آراء أولئك الفقهاء الأفذاذ وأقوالهم من بطون الكتب، وألتقطها من زاخر الآثار ولفائف الأسفار، لتنتظم جواهرها سلكاً واحداً، يكون سهل المأخذ قريب المنال، فتسد فرجة التأريخ الشائنة في المدونة، وتظهر فحولة أولئك الرجال في فقههم الدقيق ورأيهم الواسع السديد للعالمين.
فأجاب جزاه الله خيراً بالموافقة والاستحسان.
فشرعت في العمل باذلاً جهدي، ولكن دهمتني الخطوب فضرستني بأنيابها، ورمتني الدنيا بقوس المحن، حتى أطارت مني لبي وأوهنت جسدي، ولا زلت أعالج الأمر حتى أذّن الدكتور باجو على أذني بانقضاء الوقت، وأن عمله أصبح جاهزاً، وقد اتفق على موعد لتسليمه إلى إحدى المطابع؛ حتى يظهر في معرض الكتاب الآتي، فأخذت استجديه بعض الوقت؛ لعله يعطيني أسبوعين، فإذا بي كأنما أعصر الصخر الصلاد، وأن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء، فخرج لي ببعض الأيام، وما ذلك منه حفظه الله تعالى إلا حرصاً على العلم، وعلى بروز المدونة في أقرب وقت، وعلى استثارة همتي الخاملة.