الوضع يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع للجناوني - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧

فلما رأى الملك ذلك البرهان العظيم، رسخ الإيمان في قلبه، ودعا أهله ومن حوله إلى الدخول في الإسلام، ودعا وزراءه وأهل المدينة ومن حولها، فأجاب القريبون منها، وامتنع من أمتنع. هنالك أصدر أوامره بمنع من امتنع من الإسلام أن يدخل المدينة، ومن قبض عليه من الكفار داخل المدينة قتل، فامتنع المشركون من دخول المدينة.

فأخذ رحمه الله يعلمهم فرائض الإسلام من الصلاة وسائر الشرائع، ويعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، وقد أقبلوا عليه في أخذ تعاليم الإسلام في رغبة وعناية، إذ ورد عليه كتاب من والده العلامة يخلف بن يخلف رحمه الله يحضه على الرجوع ويحجر عليه البقاء - ولما كانت طاعة الوالدين من الفروض التي يقدرها أهل الإنابة إلى الله - استأذن من الملك أن يعود إلى وطنه امتثالا لأمر والده، قال له الملك: لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد الهدى. فقال له الشيخ أبو الحسن: طاعة الوالد واجبة في الدين، وحجر على أن أتخلف ولم أجد بداً من الامتثال. فأخذ في تجهيز أمره فبارح البلاد وقد ترك الإسلام يأخذ بالقلوب ويدخل الناس في دين الله أفواجاً. وترك خلفه حزناً مكيناً، وأسفاً شديداً لدى الملك، ومن أسلم من أهله ووزرائه ورعيته. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ولا يمكنني جمع المناقب الباهرة لذلك السلف العظيم، في مثل هذه العجالة، ولكنى أحيل القارئ إلى تاريخنا الجامع، فإنه يروى غليله بما يشفى الصدور.

ومن عرف ما عليه أصحابنا من الصدق والأمانة، والإخلاص لله ولرسوله، لا يرتاب قط فيما يرونه، والصدق شيمتهم، إذ هو من العقيدة التي هي وثيقة الصلة بالله جل جلاله. ومن كان هذا شأنه لا يتطرق إليه الشبهة بله الكذب، فاعتمد هذه الصفة لتدرك الحق واضحاً وبالله التوفيق.