الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٣ويستفاد منه أَنَّهُ إذا لَمْ يكن عَلَى حالة تشبه حال النساء فلا بأس به عَلَى قصد صلاح الْجَسَد.
وزعم ابن حجر الْهيثمي من قومنا: أنَّ خضب الرجل يديه أو رجليه بالْحِنَّاء حرام، بل كَبيرة إذا كان عَلَى قصد التشبُّه بالنساء.
واستدلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحديث أبي داود أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِمخنّث قد خضب يديه ورجليه بالْحِنَّاء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَالُ هَذَا؟» قالوا: يتشبَّه بالنساء؛ فأمرَ به فنفي إلى النقيع (-أي بالنون- وهو بَعيد من الْمَدِينَة). ونسب إلى الشافعي وأتباعه التَحرِيم مطلقا.
ونسب إلى بعض علماء اليمن الْمتأخِّرين القول بالْحلّ مطلقا.
قال ابن حجر: إنَّ بعض القائلين بالْحلِّ تعدَّى طوره؛ إلى أن ادَّعى فيه الاجتهاد، وزعم أنَّ القائلين بالحرمة استروحوا ولم يتأمَّلوا فغلطوا في ذَلِكَ.
قُلتُ: ولَعلَّ هؤلاء يَحتجُّون بظاهر الأَحَادِيث الْمتَقَدّم ذكرها في أَوَّل التنبيه، فَإنَّهَا تَدُلُّ عَلَى إباحة الاختضاب بالْحِنَّاء عَلَى ندبيته، لِما فيها من الحثِّ عَلَى استعماله، وهي مَحمولة عندنا عَلَى ما إذا قصد بِها صلاح الْجَسَد ولم يكن عَلَى جهة التشبُّه بالنساء.
ولَعلَّ الْمحرِّمين لذَلِكَ مطلقا يَحتجُّون بِحديث أنس في أنَّ طيب النساء ما ظهر لَونه وخفي ريحه، والْحِنَّاء عَلَى هذا الوصف، فيجب أن يكون مِمَّا يَختصُّ به النساء.
والْجَوَاب: أَنَّهُ إن استعمل عَلَى جهة التطيُّب فذَلِكَ مسلَّم؛ لأَنَّ فيه تشبُّها بالنساء، وإن كان عَلَى غير ذَلِكَ الْحَال فلا يَدُلُّ الْحَدِيث عَلَى الْمنع من استعماله، وَاللهُ أَعلَم.