الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٩وَالْجَوابُ عن الأَوَّل: ما تَقَدَّمَ مِن أَنَّ الآية والْحَدِيثَ جَاريانِ فِي التعبير بالْحُلُم مَجرى الأَغلَب المعتادِ، فلاَ يَلْزَم حَصر الْبُلُوغ فِي الاستحلامِ، فهَذَا الاعتراضُ هادمٌ لتحديدِ أبي حَنِيفَة أَيْضًا، وَاعتذارُه له بأنَّ العادَة فِي الْبُلُوغ خَمْس عَشرَةَ سَنَة، وكلُّ ما كانَ مَبنيًّا /54/ عَلَى طريقِ الْعَادَاتِ فَقد يَجُوزُ الزيَادَة فِيه والنُّقصَان مِنه لَيسَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّه إِذَا اعتبر التقييد فِي الآيةِ كانَ الواجبُ عَلَيهِ أن لا يَحكم بالْبُلُوغِ إِلاَّ مَع الاستحلامِ، سَواء كانَ ذَلِكَ الحالُ مُعتادا أَم غَير مُعتَاد، فظَهَرَ عَلَى هَذَا مُعَارَضَة مَذهبهم لِمَفهُوم الآيةِ إِن قالوا به.
وَأَيضًا: فاعتذارهُ يُوجِب أن يَكُونَ الْخَمْس عَشرَةَ حدًّا للبلوغِ؛ لأَنَّها إِذَا كَانَتْ الْعَادَة كذَلِكَ وَجَبَ اعتبارهَا لأَنَّها مُحكِّمَة.
وَأَيضًا: فيَجِبُ حَمل الأقلِّ عَلَى الأَغلَبِ، وَرَدِّ النادرِ عَلَى الأكثرِ، وَالله أَعلَم.
وَالْجَوابُ عن اعتراضِه عَلَى الْحَدِيث: بِأَنَّه يَحتملُ أن يَكُون ابن عُمر فِي أُحُد كَان أَوَّل مَا طعنَ فِي الرابِع عَشرَةَ، وكان فِي الأحزابِ استكملَ الْخَمْسَ عَشرَةَ. هَذَا عَلَى الْقَوْل بأنَّ غَزوَة الخندقِ كَانَتْ فِي شوَّال سَنَة خَمْسٍ، وَهُوَ قَول ابن إسحَاق، وبه جَزمَ غَيرُه مِن أَهْلِ المغازِي. وَقَالَ موسى بن عقبة كَانَتْ فِي شوَّال سَنَة أَربَع، وَفي نُسخة لِعَشرَة أشهُر وخَمْسَة أَيَّام، ومالَ إِلَيْهِ البخارِي، وصحَّحَه النووِي، وزعمَ العِراقِي أَنَّ المشهورَ أَنَّهَا فِي السَنَة الرابِعَة، وعلَى هَذَا فلاَ اضطرابَ فِي حَدِيثِ ابنِ عُمَر، ولاَ يَحتاجُ فِي الْجَوَابِ لِذَلِكَ الاحتمالِ الْمتَقَدِّم، وكذَلِكَ لا اضطرابَ فِي الْحَدِيث أَيْضًا عَلَى الْقَوْل بأنَّ وَقعة أُحُد كَانَتْ فِي السَنَة الرابِعَة وإن كانَ شاذًّا، وَالله أَعلَم.
وَأَمَّا قَولُهُ: "إِنَّ الإجازَة فِي القتالِ لا تَعلُّق لَها بالْبُلُوغ … إِلَى آخَره"؛ فَمردُود لِمَا تَقَدَّمَ آنفًا من أَنَّ غَيرَ البالغِ لا تَكلِيفَ عَلَيهِ، فلاَ يُعرَّضُ عَلَى ما يَكُون سَببا لِهلاكِه من التكاليفِ، وَالله أَعلَم.