الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٤الناظرُ فِي تِلْكَ الْحُجَّةِ بعينِ الصدقِ لاتَّضحَ بِهَا حَقِيقَة ذَلِكَ الشَّيْءِ الذِي نظرَ فِيه، فَهي حُجَّة عَلَى مَن قامَت عَلَيهِ إِذَا كَانَتْ عَلَى هَذَا الحالِ، سَواء نظَر فِيها أَم لاَ، وسَواء عَرفَ أَنَّها حجَّة أَم لَمْ يَعرف، ولولاَ ذَلِكَ لَما قامَت لله عَلَى خَلقِه حجَّة، ولله عَلَى الناسِ الْحُجَّةُ البالغةُ عَرفَها مَن عَرفَها وجهِلَها مَن جَهِل.
وهِي عَلَى نَوعين؛ لأَنَّها إِمَّا أن تَكُون حجَّة عقليَّة، وَإِمَّا أن تَكُون سَمعيَّة، وهَذَا مَعْنَى قَول الناظم: (بالسمع أَو بالْعَقْل فِيما عَقَلَه).
فأمَّا الْحُجَّةُ الْعَقْليَّة: فَهي ما تَكُون بِخاطِر البالِ، أَو بإلْهَام فِي القلوبِ، أَو بانشراحِ الصدر إِلَى ذَلِكَ الشَّيْء، وهي حجَّة عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ فَالأمور الْعَقْليَّة كَوجود الله تَعَالىَ، ومَعْرِفَة كمالاته - سبحانه وتعالى - إِلَى غَير ذَلِكَ مِمَّا سيأتِي بَيَانُه، فإذَا خَطَر عَلَى البالغِ العاقلِ أَنَّ لَه إلَهًا /57/ فذَلِكَ الخاطرُ هو حجَّة الله عَلَيهِ، سَواء سَمِع بأنَّ لَه إلَهًا أَو لَمْ يَسمَع، وكذَلِكَ إِذَا انشَرحَ صَدرُه لِمَعْرِفَة شَيْء من كمالاَت الله تَعَالىَ، وكَذَلِكَ إِذَا أُلْهِم شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الأَشيَاء كُلّهَا حُجَج عقليَّة تقومُ لله عَلَى عبادِه من جهة عُقُولِهِم فِيما يُدرِك الْعَقْل فِيه عِلمهُ، قال تَعَالىَ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ وقَد أتاهَا الْعِلْم بِمَا يُدركُ الْعَقْلَ علمُه، وَقَالَ تَعَالىَ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، ومِن وُسعِها إدرَاكُ ما أدرَكه الْعَقْل.
وَأَمَّا الْحُجَّةِ السمعيَّة: فهي ما تَكُون مِن قِبَلِ السمعِ، وَفي حُكم السمعِ النظرُ إِلَى الكتب، والإشارَة إِلَى المعانِي بطريقٍ يُفهَم، فإنَّ الْمُرَاد مِنَ السمعِ وصُول الْعِلْم إِلَى الْعَقْلِ مِن طريق لاَ يُدركُه الْعَقْل إِلاَّ بالواسطَة،