معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٣

نَظروا إِلَى تَغيُّر الْعَقْل بتغَيُّر الدماغِ، وإلَى أَنَّ مَحلَّ المعارِف الصدر، فجَعَلَوه مُشتركًا بَيْنَ الْمَوضِعين، والصَّحِيح أَنَّه غَير مُشتَرك بل مَحلُّه القلب، ولَه قوَّة من الدماغ والأعضاءِ يَمدُّ بَعْضها بَعْضًا، فلاَ يَدُلُّ تَغيُّر الْعَقْل بتغيُّر الدماغِ عَلَى أَنَّهُ مَحلُّه.

وحُكم الْعَقْلِ: عندَ الْمُعتَزِلَة أَنَّهُ مُعرِّف مُوجِب لِوجوب الإيمانِ وحُسنِه وقُبح الكفرِ، وبه قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا عند عَدمِ الشَّرْعِ، فإنَّهُمْ جَعَلَوه حاكما فِي مواضعٍ من الْعَقْليَّات، فَأوجَبُوا عَلَى الْمُكَلَّف الذِي لَمْ يَسمَع بشرعٍ فِعل مَا حَسُن فِي الْعَقْلِ فِعلُه، وتَركِ ما قَبُح فِي الْعَقْلِ فِعلُه، لَكِنَّ هَذَا البَعْضَ مِن أَصْحَابِنَا لا يَجعَلُون الْعَقْلَ حَاكما عَلَى الشَّرْعِ، بَل يَجعَلونَه حَاكما عند عَدم الشَّرْعِ لئلاَّ يَكُون الإنسانُ سُدًى.

والْمُعتَزِلَة يُحكِّمون الْعَقْل مُطلقًا، حَتَّى أَنَّهُمْ يُوجِبُون ردَّ الشَّرْع إِذَا خالَفَ مُقتَضَى الْعَقْل، فَالحاكِم عندَ الْمُعتَزِلَة هُو الْعَقْل، والشَّرْع إِمَّا مُؤكِّد لِحكمِ الْعَقْلِ، وَإمَّا مُبَيِّن لِمَا خَفيَ عَلَى الْعَقْل.

وذهبَ الأَشْعَرِي إِلَى: أَنَّ الْعَقْل مُهمَل لا حُكم لَه، وَإِنَّمَا الحكمُ كُلّه للشرعِ.

وذَهبَت الحنفيَّة إِلَى: التوسُّطِ بَيْنَ قَولَي الأشاعِرَة وَالْمُعتَزِلَة، وَهُوَ: أَنَّ الْعَقْل آلَةٌ عاجزةٌ، والمعرِّف والموجِب بالحقيقَة هوَ الله تَعَالىَ، لَكِن بِواسطَة الرَّسُول، وهَذَا الْقَوْل هُو مَذهبُ أَصْحَابِنَا كمَا سَيأتِي تَحقيقُه عِند الْكَلاَم عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَالله أَعلَم.

وَأَمَّا الْحُجَّةِ: فَهي ما يَقعُ بِهَا حَقيقة الشَّيْء المنظورِ فِيه، أَي: لَو نَظر

١١٣ / ٥٬٣٨٩