الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٦٢والْجَوَاب: أنا لا نُسلِّم أن منع الْجُنب من الْقِرَاءَة لأجلِ النجاسة فَقط، بَل نقول: إن الْقِرَاءَة عبادة كالصَّلاَة والصَّوْم، وقد ثَبت أَنَّهُ لا صلاة للجنب حَتَّى يتطهَّر، وكَذَلِكَ من أصبح جنبا فقد أصبح مُفطرا فكَذَلِكَ الْقِرَاءَة، وَاللهُ أَعلَم.
احتجَّ الشيخ عامر للقول بِجواز أن تَقرأ الْحَائِض الْقُرْآنَ بَعد أن قال: "إِنَّه الأحبُّ عند الْعُلَمَاء"، قال: "لأَنَّهم مُجمعون عَلَى أَنَّهَا تَذكرُ اللهَ، وَالذي خَلقَ الْقُرْآنَ أَعظم من الْقُرْآن، ولاَ يُدنَّس الذكرُ بِدَنس الأجسادِ".
والْجَوَاب:
أَوَّلاً: فإنَّ إجماعهم عَلَى جَواز الذكرِ للحائض لا يَستلزم أن يكون جَواز الْقِرَاءَة أحبّ إليهم /131/؛ لأَنَّهم يُفرِّقون بينَ قراءة الْقُرْآن، وبين ذِكر الأسماء؛ لأَنَّ للقراءة خصوصِيَّة لا تُوجد لغيره من الأذكار؛ لأَنَّ الْقُرْآن هُو الذكر الْمُطلق، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ولأنَّ غَيْر الْقُرْآن رُبَّمَا يذكر مُرادا به غَيْر معناه. فيكون كَلاما غَيْر ذِكر؛ فإن من قال: "أَستغفر الله"، أَخبر عَن نفسه بأمر، ومن قال: "ولا حَول ولاَ قُوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم"، كَذَلِكَ أخبر عن أَمر كَائن، بِخِلاَفِ من قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَإنَّهُ لَيس بِمتكلِّم بِه بل هو قَائل له غَيْر آمر لغيره بالقول؛ فالْقُرْآنُ: هُو الذكرُ الذي لاَ يَكُون إِلاَّ عَلَى قَصد الذكرِ لاَ عَلَى قَصد الكلام، فَهو الذكرُ الْمطلق، وغيره قَد يكون ذكرا وقَد لا يكون.
وَأَمَّا ثانيا: فَإنَّ هذا التعليل يَستلزم جواز الْقِرَاءَة للجنب أيضا؛ لأَنَّهم مُجمعون عَلَى جواز الذكرِ له.