معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

وثامنهَا: قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قَالُوا: فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونوا يَستطيعونَ السمعَ، وكَانُوا مُكلَّفين بذَلِكَ فَقَد صحَّ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكلِيف مَا لا يُطَاق.

وَأُجِيب: بأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَستَثقلُون مَا يَسمَعُون والتفكُّر فِيه فَيعرضُون عَنه، فَالآية ذمٌّ للكفَّارِ فِي عَدَم استماعِهِم لِلقرآنِ وإبصارِهم للحقِّ ولَيسَ الْمُرَادُ نَفي استطاعَة الاستماعِ وَالإبصارِ، عَلَى أَنَّ ظاهرَ الآيةِ لا يَدُلُّ عَلَى نَفيِ الاستطاعَة عَلَى الاستماعِ والإبصارِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفيِ الاستطاعَةِ عَلَى السمعِ والبصرِ، وهو مُسلَّم ولا دليل للخصم فيها؛ لأنَّ السمع والبصر مِن مَقدورِ الله لاَ مِن مَقدورِنا، وَإِنَّمَا مِن قُدرَتِنا الاستماعَ والإبصَار، وَالله أَعلَم.

وَاعْلَمْ أَنَّ احتجاجَ الأشاعِرَة عَلَى جوازِ التكليفِ بِما لا يُطاق بل عَلَى وقوعِه رَاجع إِلَى إخبارِ الله تَعَالىَ بِعَدَم وقُوعِ الإيمانِ مِمَّن أَخبر عَنه بِذَلِكَ، وإلَى عِلم الله تَعَالىَ بَعْدَ وقوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَع تَكلِيفِه إِيَّاهُم بِالإيمانِ، وذَلِكَ لأَنَّهُمْ احتجُّوا بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْل عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وقَولُهُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلَتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، وقولُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ومَا أشبَه ذَلِكَ عَلَى تَكلِيفِ مَا لا يُطَاق.

قال الفخرُ: "وتَقريرُه أَنَّهُ تَعَالىَ أَخبَر عَن شَخص مُعيَّن، وأَنَّه لا يُؤمِن قطّ فَلو صَدَر مِنْهُ الإيمانُ لَزِم انقلابُ خَبَر الله تَعَالىَ الصدق كذِبًا، وَالكذبُ عندَ الخصمِ قَبيح، وفِعلُ القبيحِ يَستلزمُ إِمَّا الجهل وَإِمَّا الحاجَة وهُما مُحالاَن عَلَى الله تَعَالىَ، وَالْمُفضِي إِلَى الْمُحالِ مُحال، فَصدُور الإيمانِ مِنه مُحال، فالتَّكلِيفُ به تَكلِيف بالْمُحالِ.

١٢٠ / ٥٬٣٨٩