معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

قَالَ: فَهذِه هِي الوجُوه المذكورَة فِي هَذَا الْمَوضِع، قَالَ: وهَذَا هُو الْكَلاَم الهادِم لأصولِ الاعتزالِ.

وَالْجَوابُ الهادِم لِهَذَا كُلِّه أَن تَعلَم أَنَّ المستحيلَ نَوعَان:

[الأَوَّل]: مُستحيلٌ لِذاتِه: كَتَكلِيفِ الأعمَى البصَر، وكتَكلِيفِ الأصمِّ السمعَ، وتَكلِيفِ الْمُقعَدِ المشي؛ فإنَّ الأعمَى لاَ قُدرَة لَه عَلَى إيْجادِ البصرِ، وَكَذَا الأصَمُّ لا قدرةَ له عَلَى السمعِ، وَكَذَا المقعِد لاَ قُدرَة لَه عَلَى المشيِ؛ فإحداثُ الأعمَى للبصرِ مُحالٌ لذاته، وكذَلِكَ البواقِي فَإنَّهَا وإن كَانَتْ مُمكِنَة فِي قُدرَة الله تَعَالىَ، فَهِي فِي قُدرَة هَؤُلاَء مُحال لِذواتِها، وهَذَا هُو مَحَلُّ النزاعِ.

والنوعُ الثانِي مِن المستحيلِ: مُستحيلٌ لِغيره: كَإيْمانِ مَن عَلِم الله أَنَّهُ لاَ يؤمن، وكذَلِكَ مَن أَخبَر عَنه رَبُّنا بِأَنَّه لاَ يُؤمِن، فَإيمانُ ذَلِكَ المخبر عَنه والذي عَلم الله أَنَّ هَذَا لاَ يُؤمن مُمكِن فِي نَفسِه، لَكِنَّه مُحَالٌ لِعلم الله عَدَمه وإخبَاره بِعَدَم وُقوعِه، فَهو مُستَحيل لِغَيرِه.

والتَّكلِيفُ بِهَذَا النوعِ جَائز بَل واقعٌ إِجْمَاعًا؛ لأَنَّ عِلمَ الله تَعَالىَ وَإخبارَه عن الشَّيْءِ /62/ لاَ يُنافِي إمكَان ذَلِكَ الشَّيْء فِي نَفسِه، فالتَّكلِيفُ بِه مِن حَيْثُ إمكانِ ذاتِه ولاَ جَبر.

وَأَيضًا: فَإنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بالْمَعلُوم عَلَى مَا هو عَلَيهِ، فإن كانَ مُمكنا علمه مُمكنًا، وَإن كانَ واجبًا علمه واجبًا، ولا شكَّ أَنَّ الإيمانَ والكفرَ بالنظرِ إِلَى ذاته مُمكِن الوجُود، فلَو صارَ وَاجب الْوُجُود بِسَبب الْعِلْم كانَ الْعِلْم مُؤثِّرا فِي الْمَعلُوم، ولَو كانَ كَذَلِكَ لَزِم انتفَاء قُدرة الله تَعَالىَ؛ لأَنَّ الذِي علمَ وقُوعه يَكُون واجبَ الوقوعِ، والذي علمَ عَدم وقوعِه يَكُون مُمتَنِع الوقوعِ، ولاَ تتعلَّقُ القدرَة بِالواجبِ ولاَ المستحِيل، وهَذَا كُفرٌ إِجْمَاعًا.

١٢٢ / ٥٬٣٨٩