الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٣وَأَيضًا: فَلو كانَ الخبر والْعِلْم مانعًا لَمَا كانَ الْعَبدُ قادرًا عَلَى شَيْء أصلاً؛ لأَنَّ الذِي عَلِم الله تَعَالىَ وُقوعَه كانَ واجبَ الوقوعِ، والْوَاجِب لاَ قُدْرَة عَلَيهِ، والذي عُلمَ عَدمه كانَ مُمتَنِع الوقوعِ، وَالممتنعُ لاَ قُدْرَة عَلَيهِ، فَوجَب أن لاَ يَكُونَ الْعَبدُ قادرًا عَلَى شَيْء أصلاً، فكَانَتْ حركاته وسكناته جارية مَجرى حَركات الجمادَات، والحركاتِ الاضطراريَّة للحيواناتِ، لَكِنَّا نَعلَم فَساد ذَلِكَ ضَرورَة؛ فَإنَّهُ لو رمَى إنسانًا بِحصاة حَتَّى شجَّه، فإنَّا نَذمُّ الرامِي ولاَ نَذمُّ الحصاةَ، ونُدرِك بالبديهة الفرقَ بَيْنَهُما إِذَا سَقطت الحصاةُ عَلَيهِ، وبَيْنَ ما إِذَا رَمَى بِهَا إنسانًا بالاختيارِ.
وَأَيضًا: فَلَو كانَ الْعِلْم بِالعدَم مانعًا للوجودِ، لَكانَ أَمْرُ الله تَعَالىَ للكافرِ بالإيْمَانِ أَمْرًا بإعدامِ عِلمه، وكمَا أَنَّهُ لاَ يَليقُ به أن يأمُرَ عبادَه بأن يَعدمُوه، فكذَلِكَ لا يَلِيقُ به أَن يأَمُرَهم بأَن يَعدمُوا عِلمه؛ لأَنَّ إعدامَ ذَاتِ الله وصِفاته غَير مُمكن ولاَ مَعقول، والأَمْرُ به سَفَه وعَبَث، فدلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بالعدمِ لا يَكُونُ مانعًا مِنَ الْوُجُود.
رُوِي عَن ابنِ عُمَر أَنَّ رجلاً قامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أبا عبد الرحمن، إِنَّ أقواما يَزنونَ ويَسرقونَ ويَشربون الخمرَ ويَقتلُون النفسَ التي حرَّم الله إِلاَّ بِالْحَقِّ ويَقُولُون: كانَ ذَلِكَ فِي عِلم الله فَلَم نَجِد منه بُدًّا، فَغضِب ثُمَّ قَالَ: سُبحان الله العظيمِ، قَد كانَ فِي عِلمِه أَنَّهُمْ يَفعلونَها فَلَم يَحملهم عِلمُ الله عَلَى فعلهَا، حدَّثَنِي أبي عُمَر بن الخطَّاب أَنَّهُ سَمِع رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَثلُ عِلمِ الله فِيكُم كَمَثلِ السماءِ التي أَظلَّتكُم والأَرْضِ التي أقَلَّتكُم، فكمَا لاَ تَستَطيعونَ الخروجَ مِنَ السماءِ والأَرْضِ فَكذَلِكَ لاَ تَستطيعونَ الخروجَ مِن عِلمِ الله تَعَالىَ، وكمَا لاَ تَحمِلُكم السماءُ والأَرْضُ عَلَى الذنوبِ فَكذَلِكَ لاَ يَحملُكم عِلمُ الله تَعَالىَ عَلَيهَا»، فهَذَا الْحَدِيثُ صَريحٌ فِي أَنَّ عِلمَ الله تَعَالىَ لا يَحمِلُ الناسَ عَلَى فِعل ما علمَ