معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٤٨

قال الشيخ عامر: ويؤيِّد هذا القول ما روي عن أمِّ سَلمة أن امرأة سألتها فقالت: "إِنِّى امرأة أطيل ذَيلي، وأمشِي في الْمكان القَذِر"، فقال لَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعدَهُ».

وما روي أَنَّهُ قال - عليه السلام -: «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُم الأذَى بِخُفَّيهِ فَطُهرُهُمَا التُّرَابُ».

وما روي أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - «أَمَرَ بِالاستِجمَارِ»، (والاستجمار في أثرِهم: إزالَة النجو بالْحجارة الصغار)، وَاستشكل الْمُحَشِّي الاِستِدلاَل بِهَذَا الْحَدِيث؛ إذ الظاهر أَنَّهُ يطهر الْمحلّ حينئذ بِمجرد الاستجمار، إِلاَّ أن يقال: الاستنجاء للسنة، أو يقال: الْمُرَاد أن الْمسح يطهِّر الأبدان طهارة مطلقة، بِخِلاَفِ الفروج فَإنَّهُ لا يطهِّرها طهارة مطلقة. أو يقال: إن الْحُكْم الْمَذْكُور كان في صدر الإسلام.

قُلْتُ: ولا معنى للتوجيه الثاني؛ لأَنَّه مُخَالِف لِمَوْضِع الاِستِدلاَل، والتوجيه الأَوَّل والثالث أظهر.

ومعنى قوله: "الاستنجاء للسنَّة" أي التي تسنُّ لتخفيف النجو وإزالته قَبل الاستنجاء بالْمَاء، ومعنى قوله: "أو يقال إن الْحُكْم الْمَذْكُور كان في صدر الإسلام"، يعني أن الطَّهَارَة بالاستجمار كان طهارة في أَوَّل الإسلام ثُمَّ نسخ بفرضية الاستنجاء بالْمَاء. ووجه الاِستِدلاَل عَلَى هذا أن يقال: إِنَّه لَمَّا شرع في أَوَّل الأمر كان دَلِيلا عَلَى أَنَّهُ نوع من الطَّهَارَة، وَنَسخُه بِفرض الاستنجاء لا يُغيرِّه عن وصف التطهير، وَإِنَّمَا يبطل الاجتزاء به /198/ عن الْمَاء، فهو تطهير لا يُجزِئُ للصلاة، فيكون الاستنجاء بالْمَاء تعبُّدا كالْوُضُوء، ومعنى ذَلِكَ: أن الْمستجمر بالأحجار طاهر بإزالة النجاسة عنه بالمسح، لكن الشرع ألزمنا مع القيام للصلاة الاستنجاء.

١٬٢٧٢ / ٥٬٣٨٩